التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
١٥
وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ
١٦
قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ
١٧
وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
١٨
-يوسف

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (لمّا) حرف وجود لوجود، يطلب الشرط والجواب، وجوابها هنا محذوف، أي: فعلوا به ما فعلوا. وقيل: جوابها: (أجمعوا)، وقيل: (أوحينا) على زيادة الواو فيهما. وجملة: (وهم لا يشعرون): حال من (تنبئنهم)، فيكون خطاباً ليوسف عليه السلام، أو من (أوحينا)؛ أي: وهم لا يشعرون حين أوحينا إليه. فيكون حينئذٍ الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، و(صبر جميل): مبتدأ، والخبر محذوف، أي: مثل. أو: خبر عن مبتدأ، أي: أمري صبر جميل. و(على قميصه): في موضع نصب على الظرف، أي: فوق قيمصه. أو: حال من الدم؛ إن جوز تقديمها على المجرور.
يقول الحق جل جلاله: فلما ذهبوا بيوسف معهم {وأجْمَعُوا} أي: عزموا {أن يجعلوه في غيابات الجُبِّ}؛ وهو بئر بأرض الأردن، أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب.
قال الفراء: كان حفره شداد بن عاد. فانظره. قال السدي: ذهبوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً. فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء. هـ. وكان إخوته سبعة من خالته الحرة، والباقون من سريتين له، كما تقدم.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان يعقوب عليه السلام ينظر إلى يوسف عليه السلام حتى غاب عنه، وعن نظره، فلما علموا أنهم غيبوه عنه، وضعوه في الأرض وجروه عليها، ولطموا خده، فجرد شمعون سكينه وأراد ذبحه، فتعلق بذيل روبيل وضربه، وكذلك جيمع إخواته؛ إذا لجأ لواحد منهم طرده، فضحك عند ذلك يوسف عليه السلام فقال له يهوذا: ليس هذا موضع الضحك يا يوسف، فقال: من تعزز بغير الله ذل، ظننت أنه لا يصيبني وأنا بينكم مكروه لما رأيت من قوتكم وشدتكم، فسلطكم الله علي بشؤم تلك الفكرة؛ حتى لا يكون التوكل إلا عليه والتعزز إلا به. هـ. بالمعنى.
وقال الفراء: كانت زينب بنت يعقوب عليه السلام ـ أخت يوسف ـ وكانت رأت في منامها كان يوسف وضع بين الذئاب وهم ينهشون، فانتبهت فازعة، ومضت إلى أبيها باكية، فقالت: يا أبت، أين أخي يوسف؟ قال: أسلمته إلى إخواته، فمضت خلفه حتى لحقت به، فأمسكته، وتعلقت بذيله، وقالت: لا أفارقك اليوم يا أخي أبداً، فقال لها إخوتها: يا زينب، أرسليه من يدك، فقالت: لا أفعل ذلك أبداً؛ لأني لا أطيق فراق أخي، فقالوا: بالعشي نرده إليك ويأتيك. ثم أقبل يوسف عليه السلام يقبل رأسها ويديها، ويقول لها: يا أختاه دعيني أسير مع إخوتي أرتع وألعب، فذهب، وجلست تشيعه بعينها، ودموعها تتناثر مما رأت؛ خوفاً عليه. هـ.
فلما غابوا به عنها فعلوا به ما تقدم، وهموا بقتله، فقال لهم يهوذا: أما عاهدتمُوني ألا تقتلوه؛ فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها، فربطوا يده، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه رُدّوا عليّ قميصي أتوارى به، فقالوا: ادعُ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمرَ يلبسوك ويؤنسوك. فلما بلغ نصفها ألقوه، وكان فيها ماء، فسقط، ثم آوى إلى الصخرة كانت فيها فقام عليها يبكي، فجاءه جبريل بالوحي، كما قال: {وأوحينا إليه...} الخ. وكان ابن سبع عشرة سنة، وقيل: كان مراهقاً. وقال ابن عطية: كان ابن سبع سنين، وأوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى ـ عليهما السلام ـ.
وفي القَصَص: أن إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في النار، جُرد من ثيابه، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله في تميمة علقها على يوسف، فأخرجه جبريل وألبسه يوسف.
ثم قال له فيما أوحي إليه: {لتنبئنهم} أي: لتحدثنهم {بأمرهم هذا}؛ بما فعلوا بك، {وهم لا يشعرون} أنك يوسف، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحال والهيئات. وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر، حين دخلوا عليه ممتارين، فعرفهم وهم له منكرون، إلى أن قال لهم:
{ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } [يوسف: 89]. وفي رواية: أوحى إليه: يا يوسف لا تحزن على ما أصابك، فإنك تصل إلى ملك كبير، ويقف إخوتك بين يديك. بشره بما يؤول إليه أمره، أيناساً وتطبيباً لقلبه. وقيل: {وهم لا يشعرون} متصل بقوله: {وأوحينا} أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.
{وجاؤوا أباهم عِشَاءَ} آخر النهار، وقرئ {عُشي} بضم العين والقصر، جمع أعشى، أي: عُشي من البكاء. فجاؤوا إليه {يبكُون} أي: متباكين. روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال: يا بني، أين يوسف؟ فقالوا: {يا أبانا إنا ذهبنا نستبق}؛ أي: نتسابق بأقدامنا في العَدْو، أو الرمي {وتركنا يوسفَ عند متاعنا فأكله الذئبُ وما أنت بمؤمنٍ لنا}: بمصدق لنا، {ولو كنا صادقين}؛ لسوء ظنك، وفرط محبتك ليوسف.
{وجاؤوا على قميصه}: فوق قميصه {بدم كذبٍ}، أي: ذي كذب بمعنى مكذوب فيه؛ لأنهم ذبحوا جدياً ولطخوا قميصه بدمه. رُوي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا بقميصه فأخذه، وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وفي رواية أخرى: أنه لما رأى صحة القميص ضحك، فقالوا له: الضحك والبكاء من فعل المجانين! فقال: أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم، وأما ضحكي، فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح، ولذلك {قال بل سولتْ لكم أنفسكم أمراً} أي: سهلت لكم، وهونت في أعينكم أمراً عظيماً حتى أقدمتم عليه. وقيل: لما سمع مقالهم غشي عليه إلى الصباح، وهم يبكون بأجمعهم، ويقولون بينهم: بئس ما فعلناه بيوسف ووالده، وأي عذر لنا عند الله. فلما أفاق نظر إلى أولاده، وقال: هكذا يا أولادي كان ظني فيكم، بئس ما فعلتم، وبئس ما سولت لكم أنفسكم {فصبر جميل} أي: فأمري صبري جميل. وفي الحديث:
"الصبرُ الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق" . {واللَّهُ المستعانُ على ما تصفون} أي: على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف. وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم، إن صح أنهم تنبأوا. وقد تقدم في سورة البقرة الخلاف في نبوة الأسباط فراجعه.
الإشارة: في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان بعد الإساءة والغفلة والنسيان، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف عليه السلام ما فعلوا، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى، وتاب عليهم، وقربهم حتى صاروا أنبياء، على حد قول بعض العلماء. ولذلك قيل: [كم من خصوص خرجوا من اللصوص، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك]. وفي الحكم: "من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً". وللشافعي رضي الله عنه:

فَلما قَسَا قَلبي وَضَاقَت مَذَاهِبِي جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا

وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح، والنهوض التام، والمجاهدة الكبيرة، كما فعل إبراهيم بن أدهم، والفضل بن عياض، والشيخ أبو يعزى، وغيرهم ممن كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن لَم يَغلِب نَفسَه وَهَواه فَليس لَهُ حَظٌ في عُقبَاه" . وأنشدوا:

جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا
جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخَوفَ والرَّجَا
جَبَانٌ وتَرجُوا أن تُلقَّبَ فَارساً مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا

وفيها أيضاً: تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين، فإن يعقوب عليه السلام، لما استعمل الصبر الجميل، جمع الله شمله بولده مع ما أعد له من الثواب الجزيل. ويوسف عليه السلام، لما صبر على ما أصابه من المحن؛ عوضه العز الدائم بترادف المنن. وفي الخبر: "أعلى الدرجات درجات الصابرين". لكل عمل ثواب محدود، وثواب الصابرين غير محدود ولا معدود. قيل: إن الله تعالى أعطى لكل صابر قصراً في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوماً، من درة بيضاء معلقة في الهواء، ليس تحته دعامة، ولا فوقه علاقة، وله أربعة آلاف باب، يدخل من كل باب سبعون ألف ملك، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم أبداً. هـ.
ثم ذكر خروج يوسف من البئر، وبيعه، ودخوله مصر، فقال: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ}.