التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٢٥
ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ
٢٦
-الرعد

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {والذين ينقُضُون عهد اللهِ...} الذي اخذه عليهم في عالم الذر، حيث قال: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، ثم كفروا به بعد بعث الرسل المنبهين عليه. أو ينقضون العهود فيما بينهم وبين عباد الله، أن أعطوا ذلك من أنفسهم، {ويقطعونَ ما أمر اللهُ به أن يُوصل} من الأرحام، أو ممن يدل على الله من الأنبياء، والعلماء الأتقياء؛ فإنَّ الله أمر بوصلهم، {ويُفسدون في الأرض} بالظلم والمعاصي، وتهييج الفتن، {أولئك لهم اللعنةُ}: البُعد والطرد من رحمة الله، {ولهم سُوءُ الدَّارِ}: سوء عاقبة الدار، وهو العذاب والهوان، حيث اغتروا في الدنيا بسعة الأرزاق، وظنوا أن ذلك من علامة إقبال الحق.
ولم يدروا أن الله {يبسُطُ الرزقَ لمن يشاءُ}، ولو كان من أهل الشقاء، {ويَقْدِرُ} يُضيقه على من يشاء، ولو كان من أهل السعادة والعناية، {وفرحُوا بالحياة الدنيا} واطمأنوا بها، وقنعوا بنعيمها الفاني، {وما الحياةُ الدنيا} في جنب الآخرة {إلا متاعٌ}؛ إلا متعة لا تدوم، كعُجَالة الراكب وزاد الراعي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
"مَا لي وللدُّنْيَا إِنَّما مثلي ومَثَلُ الدُّنيا كَرَاكبٍ سَافَرَ في يَوْمٍ صائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرةٍ، ثم رَاحَ عَنْها وَتَركَهَا" . والمعنى: أنهم أشِروا بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوها فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع، سريع الزوال. قاله البيضاوي.
الإشارة: لا شيء أفسد على المريد من نقض عهود المشايخ، والرجوع عن صحبتهم؛ فإنه لمَّا دخل في حماهم انقبض عنه الشيطان والدنيا والهوى، وأسفوا عليه، فإذا رجع إليهم، واتصلوا به، فعلوا به ما لم يفعلوا بغيره؛ كمن هرب من عدوه ثم اتصل به. وتنسحب عليه الآية من قوله: {والذين ينقضون عهد الله} إلى قوله: {أولئك لهم اللعنة}؛ أي: البُعد عن الحضرة، {ولهم سوء الدار} وهو: غم الحجاب والبقاء من وراء الباب. فإذا رجعت إليه الدنيا يقال له: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}؛ فلا تغتر ولا تفرح بالعرض الفاني، فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع قليل، ثم التحسر الوبيل.
ثمَّ أجاب عن طلب المعجزة ليؤمن فقال: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ...}