التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ
٤٢
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ
٤٣
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ
٤٤
وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ
٤٥
-إبراهيم

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (يوم يأتيهم): مفعول ثانٍ لأَنذِر، ولا يصح أن يكون ظرفاً. و(نُجبْ دعوتك)؛ جواب الأمر.
يقول الحق جل جلاله: {ولا تحسبنَّ} أيها السامع، أن {اللَّهَ غافلاً عما يعملُ الظالمون}، أو أيها الرسول، بمعنى: دُمْ على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم، لا تخفى عليه خافية، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل: إنه تسلية للمظلوم؛ وتهديد للظالم؛ فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. {إنما يؤخرهم}، أي: يؤخر عذابهم {ليوم تشخص فيه الأبصارُ}، أي: تحد فيه النظر، من غير أن تطرف؛ من هول ما ترى.
{مُهطعين}: مسرعين إلى الداعي؛ مذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه، أو مقبلين بأبصارهم، لا يطرفون؛ هيبة وخوفاً، {مُقنعي رؤوسهم} رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة الهول، أو من أجل الغل الذي في عنقه، كقوله
{ { إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ } } [يس: 8]. وقال الحسن في هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. هـ. {لا يرتدُّ إليهم طرفهم}، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف، أو: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، {وأفئدتهم هواء}: خلاء، محترقة، فارغة من الفهم، لا تعي شيئاً؛ لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يُقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة. وقيل: خالية من الخير، خاوية من الحق.
{وأنذر الناس} يا محمد، أي: خوفهم هذا اليوم، وهو: {يوم يأتيهم العذابُ}، يعني يوم القيامة، أو يوم الموت؛ فإنه أول مطلع عذابهم، {فيقول الذين ظلموا} بالشرك والتكذيب: {ربنا أخِّرنا إلى أجل قريب} أي: أخِّر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل قريب، {نُجب دعوتك} حينئذٍ {ونتبع الرسلَ} ونظيره:
{ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } [المنافقون: 10]. قال تعالى لهم: {أو لم تكونوا أقسمتم من قبلُ} أنكم باقون في الدنيا، {ما لكم من زوال} عنها بالموت ولا بغيره، ولعلهم أقسموا بطراً وغروراً. أو دل عليه حالهم؛ حيث بنوا مشيداً، وأمَّلوا بعيداً. أو أقسموا أنهم لا يُنقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يُزالون عن تلك الحالة، ولا ينقلون إلى دار الجزاء، كقوله: { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } [النحل: 38].
{وسكنتمُ في مساكن الذين ظلموا أنفسَهم} بالكفر والمعاصي، من الأمم السالفة كعاد وثمود، {وقد تبيّنَ لكم كيف فعلنا بهم} بما تُشاهدون من آثارهم الدارسة، وديارهم الخربة، وما تواتر عندكم من أخبارهم، {و} قد {ضربنا لكم الأمثالَ} من أحوالهم، أي: بيَّنا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو بيَّنا لكم صفات ما فعلوا، وما فُعل بهم، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.
الإشارة: كما أمهل، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال؛ لأن هذه الدار لا تسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان، فقد أجلَّ مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها، ففيها يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم: {ربنا أخرنا إلى اجل قريب نُجب دعوتك ونتبع الرسل}، ثم بادر إلى إجابة الداعي، واتباع الرسول الهادي، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم، كيف فعل بهم الزمان؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان، حتى أسكنهم دار الذل والهوان؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام، والإيمان، وعلق قلبك بمقام الإحسان؛ فإن الله يرزق العبد على قدر نيته، وبالله التوفيق.
ثمَّ ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان.