التفاسير

< >
عرض

الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ
١
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
٢
ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٣
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ
٤
مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٥
-الحجر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: رُب: حرف جر، تدل على التقليل غالباً. وفيها ثماني لغات: التخفيف، والتثقيل مع ضم الراء وفتحها بالتاء، وتدخل عليها (ما) فتكفها عن العمل، ويجوز دخولها حينئذٍ على الفعل، ويكون ماضياً، أو منزلاً منزلته في تحقيق وقوعه، وقد تدخل على الجملة الاسمية؛ كقول الشاعر:

رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبَّلُ فِيهمْ وَعَناجِيجُ بَيْنَهُنَّ المِهَارُ

وجملة: (إلا ولها): صفة لقرية، والأصل ألا يدخلها الواو، كقوله { إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [الشعراء: 208]، لكن لما شابهت صورة الحال دخلت عليها؛ تأكيداً لوصفها بالموصوف.
يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المعظم، {تلك} الآيات التي تتلوها هي {آياتُ الكتاب} الذي أنزلناه إليك، {و} آيات {قرآنٍ} عربي {مبينٍ}؛ واضح البيان، مبيناً للرشد والصواب، فمن تمسك به وآمن بما فيه كان من المسلمين الناجين، ومن كان تنكب عنه وكفر به كان من الكافرين الهالكين، وسيندم حين لا ينفع الندم، كما قال تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}: متمسكين بما فيه حتى يكونوا من الناجين. وهذا التمني قيل: يكون عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج العصاة من النار، وهذا أرجح؛ لحديثٍ في ذلك. ومعنى التقليل فيه: أنه تدهشهم أهوال يوم القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا أن لو كانوا مسلمين.
قال تعالى: {ذرهم}: دعهم اليوم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم {ويُلهِهمُ الأملُ}: ويشغلهم توثقهم بطول الأعمار، واستقامة الأحوال، عن الاستعداد للمعاد، {فسوف يعلمون} سوء صنيعهم إذا عاينوا جزءؤهم. والأمل للتهديد، والغرض: حصول الإياس من إيمانهم، والإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنَّ نصحهم بعد هذا تعب بلا فائدة. وفيه إلزام الحجة لهم. وفيه التحذير عن إيثار التنعم، وما يؤدي إليه طول الأمل من الهلاك عاجلاً وآجلاً، ولذلك قال تعالى بعُد: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم} أي: أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ، {ما تسبق من أمة أجلها}؛ أي: أجَل هلاكها، {وما يستأخرون} عنه ساعة، وتذكير الضمير في {يستأخرون}؛ للحمل على المعنى، لأن الأمة واقعة على الناس. والله تعالى أعلم.
الإشارة: انظر هذا التهديد العظيم، والخطر الجسيم لمن تمتع بدنياه، وعكف على حظوظه وهواه: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}. ولله در القائل:

تَفَكَّرتُ فِي الدُّنيا وفي شَهَواتِها ولَذاتِها حَتَّى أَطَلْتُ التَّفَكُّرَا
وَكيْفَ يَلَذُّ العَيشُ مَنْ هُو سَالِكٌ سَبِيلَ المَنَايا رائِحا أوْ مُبكِّرا
فَلاَ خَيْرَ في الدُّنْيَا ولاَ في نَعِيِمهَا لحُرِّ مقلِّ كانَ أوْ مُكْثِرا

ثمَّ أجاب من اقتراح الآيات