التفاسير

< >
عرض

وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
٢٦
إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
٢٧
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً
٢٨
وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً
٢٩
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
٣٠
-الإسراء

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحقّ جلّ جلاله: {وآتِ ذا القُربى حقه} أي: أعط ذا القربة حقه؛ من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يُؤتى قرابته من بيت المال، {و} آت {المسكينَ} حقه {وابنَ السبيل}؛ الغريب، من برهما والإحسان إليهما، {ولا تبذرْ تبذيرًا}؛ بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. هـ. وأصل التبذير: التفريق. "رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: مَا هذَا السَّرَفُ؟ فقال: أَو فِي الوُضُوءِ سَرَفٌ؟ فقال: نَعَمْ، وإِنْ كنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ" .
{إِنَّ المبذّرين كانوا إِخوانَ الشياطين} أي: أمثالهم في الشر؛ فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم؛ لأنهم يطيعونهم في الإسراف، رُوي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويُبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. {وكان الشيطانُ لربِّه كفورًا}؛ مبالغاً في الكفر، فينبغي ألا يطاع.
{وإِما تُعْرِضنَّ عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل؛ حياء من الرد، حيث لم تجد ما تُعطيهم، {ابتغاءَ رحمةٍ من ربك ترجوها} أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، {فقلْ لهم قولاً ميسورًا}؛ فقل لهم قولاً لينًا سهلاً، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فَأُمِرَ بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يُغنيكم من فضله، وشبه ذلك
ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: {ولا تجعل يدكَ مغلولةً إِلى عُنقك} أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، {ولا تبسطها كل البسط}، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحقُّ تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله:
{ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ... } [الفُرقان: 67] الآية. {فتقعُدَ ملومًا محسورًا} أي: فتصير، إذا أسرفت، ملومًا عند الله وعند الناس؛ بالإسراف وسوء التبذير، محسورًا: منقطعًا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يُبْقِ له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، أتاهُ صبي، فقال له: إن أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الذي عَليْكَ، فَدَخَلَ دَارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطَاهُ، وقَعَدَ عُرْيَانًا، وأذَّن بلالٌ، وانتظره للصلاة، فلم يخرُجْ، فأنزل الله: {ولا تجعل يدك} الآية.
ثم سلاَّه بقوله: {إِنَّ ربك يبسط الرزق}؛ يوسعه {لمن يشاءُ ويَقْدِرُ}؛ يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، {إِنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا}؛ يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم مِنْ مصالحهم ما يخفى عليهم؛ فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يُعطي كل واحد ما يَصلح به، والله أعلم.
الإشارة: أمر الحق - جلّ جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسًا ومعنى؛ كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسًا ومعنى، وخصوصًا الإخوان في الله. فكل ما يُنفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يُعد سرفًا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا. قال في القوت: دعا إبراهيمُ بن أدهم الثوريَّ وأصحابَه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيانُ: يا أبا إسحاق؛ أما تخاف أن يكون هذا سرفًا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. هـ. قلت: هذا إن قدَّمه إلى الإخوان الذاكرين الله؛ قاصدًا وجه الله، وأما إن قدمه؛ مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سَرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسًا. هـ. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصدِّيق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدَّين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرّب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك؛ وإلاَّ فليكف؛ لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق.
ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه