التفاسير

< >
عرض

فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
٧١
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
٧٢
قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
٧٣
فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً
٧٤
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
٧٥
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً
٧٦
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً
٧٧
-الكهف

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: ضمَّن ركوب السفينة معنى الدخول فيها، فعداه بفي، وقد تركه على أصله في قوله: { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [النّحل: 8].
يقول الحقّ جلّ جلاله: {فانطلقا} أي: موسى والخضر، وسكت عن الخادم؛ لكونه تبعًا، وقيل: إن يوشع لم يصحبهما، بل رجع، فصارا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نَوْل، فلما لَجَّجُوا البَحْرَ أخذ الخضرُ فأسًا فخرق السفينة، فقلع لوحًا أو لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، و {قال أخرقتها لتُغرق أهلَها} أو: ليَغرَق أهلُها، {لقد جئتَ} أي: أتيتَ وفعلت، {شيئًا إِمْرًا} أي: عظيمًا هائلاً، يقال: أَمِر الأمرُ: عظم، {قال} الخضر: {ألم أقل إِنك لن تستطيع معي صبرًا}؛ تذكيرًا لما قاله له من قبلُ، وإنكارًا لِعدم الوفاء بالعهد، {قال} موسى عليه السلام: {لا تُؤاخذني بما نسيتُ} أي: بنسياني، أو بالذي نسيته، وهو وصيته بأن لا يسأله عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه، أراد: نسي وصيته، ولا مؤاخذة على الناسي، وفي الحديث:
"كانت الأولى مِن مُوسى نسيانًا" . أو: أراد بالنسيان الترك، أي: لا تُؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة. {ولا تُرهقني} أي: لا تُغْشِنِي ولا تُحَمِّلْنِي {من أمري}، وهو اتباعك، {عُسرًا} أي: لا تعَسِّرْ عليّ في متابعتك، بل يسرها عليّ؛ بالإغضاء والمسامحة.
{فانطلقا} أي: فقبل عذره؛ فخرجا من السفينة فانطلقا {حتى إذا لقيا غلامًا فقتله} قيل: كان يلعب مع الغلمان ففتَلَ عنقه، وقيل: ضرب رأسه بحجر، وقيل: ذبحه، والأول أصح؛ لوروده في الصحيح، رُوي أن اسم الغلام "جيسور" بالجيم، وقيل: بالحاء المهملة، فإِن قلت: لِمَ قال {خرقها}؛ بغير فاءٍ، وقال: {فقتله} بالفاء؟ فالجواب: أن "خَرَقَها": جواب الشرط، و {قتله}: من جملة الشرط، معطوفًا عليه، والجزاء هو قوله: {قال أقتلت}، فإن قلت: لِمَ خولف بينهما؟ فالجواب: أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لِقاء الغلام. هـ. وأصله للزمخشري. وقال البيضاوي: ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى عليه السلام مستأنفًا في الأولى، وفي الثانية {فقتله} من جملة الشرط، واعتراضه جزاء؛ لأن القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل، فكان جديرًا بأن يجعل عمدة الكلام، ولذلك وصله بقوله: {لقد جئت شيئًا نُكرًا} أي: منكرًا. هـ. وناقشه أبو السعود بما يطول ذكره.
{قال} موسى عليه السلام في اعتراضه: {أقتلتَ نفسًا زكية}: طاهرة من الذنوب، وقرئ بغير ألف؛ مبالغةً، {بغير نَفْسٍ} أي: بغير قتلِ نفسٍ محرمةٍ، فيكون قصاصًا. وتخصيص نفي هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد إحصان؛ لأنه أقرب إلى الوقوع؛ نظرًا لحال الغلام. {لقد جئتَ شيئًا نُكْرًا} أي: مُنكرًا، قيل: أنكرُ من الأول، إذ لا يمكن تداركه، كما يمكن تدارك الأول؛ بالسد ونحوه. وقيل: "الإمْر" أعظم؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة.
{قال} له الخضرُ عليه السلام: {ألم أقل لك إِنك لن تستطيعَ معي صبرًا}، زاد "لك"؛ لزيادة تأكيد المكافحة؛ بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر، لما تكرر منه الإنكار، ولم يَرْعَوِ بالتذكير، حتى زاد في النكير في المرة الثانية بذكر المنكر. {قال} موسى عليه السلام: {إِنْ سألتك عن شيء بعدها}؛ بعد هذه المرة {فلا تُصاحبني} إن سألتُ صُحبتَكَ، وقرأ يعقوب: "فلا تصحبني"؛ رباعيًا، أي: لا تجعلني صاحبًا لك، {قد بلغتَ من لدُنِّي عُذْرًا} أي: قد أعذرتَ ووجدت مِنْ قِبَلِي عذرًا في مفارقتي، حيث خالفتك ثلاث مرات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
"يرحم الله أَخِي مُوسَى، استحيا، فقال ذلك، لو لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأبْصرَ أَعْجَبَ الأعَاجِيب" . وفي البخاري: "وددنا لو صبر موسى، حتى يقص الله علينا من أمرهما" .
{فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قريةٍ}، هي أنطاكية، وقيل: أَيْلة، وقيل الأبُلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، وقيل: برقة، وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس. ويُذكر أنها الجزيرة الخضراء. قلت: وهي التي تسمى اليوم طريفة، وأصلها بالظاء المشالة. وذلك على قول إن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "كانوا أهل قرية لِئامًا" . وقال قتادة: شر القرى التي لا يُضاف فيها الضيف، ولا يعرف لابن السبيل حقه.
ثم وصف القرية بقوله: {استطعما أهلها} أي: طلبا منهم طعامًا، ولم يقل: استطعماهم، على أن يكون صفة لأهل؛ لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم، فإن الإباء من الضيافة، مع كونهم أهلها قاطنين بها، أشنع وأقبح.
رُوي أنهما طافا بالقرية يطلبان الطعام، فلم يطعموهما. واستضافاهم {فأَبَوا أن يُضيفوهما} بالتشديد، وقرئ بالتخفيف. يقال: ضافه: إذا كان له ضيفًا، أضافه وضيّفه: أنزله ضيفًا. وأصل الإضافة: الميل، من: ضاف السهمُ عن الغرض: مال، ونظيره: زاره، من الازْوِرَار، أي: الميل. فبينما هما يمشيان، {فوجدا فيها جدارًا}، قال وهب: كان طوله مائة ذراع، {يُريد أن ينقضَّ} أي: يسقط، استعار الإرادة للمشارفة؛ للدلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاض: الإسراع في السقوط، وهو انفعال، من القض، يقال: قضضته فانقض، ومنه: انقضاض الطير والكوكب؛ لسقوطه بسرعة. وقرئ: أن ينقاض، من انقاضت السنُّ: إذا سقطت طولاً. {فأقامه} قيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه وبناه، وهو بعيد. {قال} له موسى: {لو شئتَ لاتخذتَ عليه أجرًا} نتعشى به، وهو تحريض له على أخذ الجُعل، أو تعريض بأنه فُضول، وكأنه لَمَّا رأى الحِرمَان ومساس الحاجة كان اشتغاله بذلك في ذلك الوقت مما لا يعني، فلم يتمالك الصبر عليه.
قال ابن التين: إن الثالثة كانت نسيانًا؛ لأنه يبعد الإنكار لأمر مشروع، وهو الإحسان لمن أساء. هـ. وفيه نظر؛ فقد قال القشيري في تفسير الآية: لم يقل موسى: إنك ألْمَمْتَ بمحظور، ولكن قال: لو شئتَ، أي: فإن لم تأخذ بسببك فهلا أخذت بسببنا، فكان أخْذُ الأجر خيرًا من الترك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللت بحقنا؟ ويقال: إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب، فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة، وإلاَّ فهو نسي، حيث سقى لبنات شعيب، وكان ما أصابه من التعب والجوع أكثر، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً، وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلا. هـ.
قلت: لأن الحق تعالى أراد تأديبه فلم يحمل عنه، فكان سالكًا محضًا، وفي وقت السقي: كان مجذوبًا محمولاً عنه.
ثم قال القشيري: وكما أن موسى كان يُحب صحبة الخضر؛ لما له فيه من غرض استزادةٍ من العلم، كان الخضر يحب ترك صحبته؛ إيثارًا للخلوة بالله عنه. هـ. قاله في الحاشية الفاسية.
الإشارة: يُؤخذ من خرق السفينة أن المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه، ويعيب سفينة وجوده، بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد، ولا يُقبل عليه أحد، فبذلك يخلو بقلبه ويستقيم على ذكر ربه، وأما ما دام ظاهره متزينًا بلباس العوائد، فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد.
ويُؤخذ من قتل الغلام: أنه لا بد من قتل الهوى، وكل ما فيه حظ للنفس والشيطان والطريق في ذلك أن تنظر ما يثقل على النفس فتُحمله لها، وما يخف عليها فتحجزها عنه، حتى لا يثقل عليها شيء من الحق. ويؤخذ من إقامة الجدار رسم الشرائع؛ قيامًا بآداب العبودية، وصونًا لكنز أسرار الربوبية. ويؤخذُ منه أيضًا: الإحسان لمن أساء إليه، فإن أهل القرية أساؤوا؛ بترك ضيافة الخضر، فقابلهم بالإحسان؛ حيث أقام جدارهم. والله تعالى أعلم.
ثمَّ ذكر افتراقهما وبان الحكمة في تلك الخوارق