التفاسير

< >
عرض

أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً
٨٩
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي
٩٠
قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ
٩١
قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ
٩٢
أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
٩٣
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
٩٤
-طه

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {ألا يرجع}: "أن" مخففة، لأنَّ الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية.
يقول الحقّ جلّ جلاله: مُنكرًا على عبدة العجل ومقبحًا لرأيهم: {أفلا يَرَوْنَ} أي: أفلا يتفكرُ هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون {أن} الأمر والشأن: {لا يرجع إِليهم} العجل كلامًا، ولا يرد عليها جوابًا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميًا؛ للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. {و} هو أيضًا {لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا} أي: أفلا يرون أيضًا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرًا، أو يجلب لهم نفعًا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه.
{ولقد قال لهم هارونُ من قبلُ} أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: {يا قوم إِنما فُتنتم به} أي: وقعتم في الفتنة بالعِجْل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، {وإِنَّ ربكم الرحمنُ} وحده، لا العِجْل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية؛ للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المُفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يُعبد هو الرحمن لا غير. {فاتبعوني} على الثبات على الدين، {وأطيعوا أمري} من ترك عبادة ما علمتم شأنه.
{قالوا} في جواب هارون عليه السلام: {لن نبرحَ عليه عاكفين} أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين {حتى يرجع إلينا موسى}، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسُّوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلاً على مقالة السامري.
رُوِيَ أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفًا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجَلَبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: {ألم يعدكم...} الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: {ما أخلفنا...} الخ. فلما رأى هارونَ أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبًا، {قال يا هارونُ}، وإنما جرده من الواو؛ لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: {قال يا هارونُ ما منعك إِذْ رأيتَهم ضلّوا} بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، {ألا تتَّبعنِ} أي: أن تتبعني. على أن "لا" مزيدة، أيْ: أيّ شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن "لا" غير مزيدة، ويُقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسوّل لك ألا تتبعن. هـ. قلت: وفيه نظر؛ لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتُخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرًا لهم، وهذا أظهر.
{أفعَصَيتَ أمري} بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: {اخلفني في قومي} متضمن للأمر بهما حتمًا، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلِف لو كان حاضرًا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري.
{قال يا ابن أمَّ}، خص الأم بالذكر؛ استعطافًا لحقها، وترقيقًا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: {لا تأخذْ بلحيتي ولا برأسي} أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدًا متصلبًا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: {إِني خشيتُ} إن قاتلتُ بعضهم ببعض وتفرقوا، {أن تقول فرقتَ بين بني إِسرائيل} برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما يُنبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يُرى بعده اجتماع، فخشيتُ أن تقول: فرقت بينهم، {ولم ترقبْ قولي} أي: قوله: {اخلفني في قومي وأصلح...} الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك؛ لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يُعرب عنه قوله:
{ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي } [الأعرَاف: 150]. والله تعالى أعلم.
الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا، وإنما فُتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدًا له في جميع الحالات، تكن خالصًا لله، حُرًا مما سواه. وبالله التوفيق.
ثمَّ توجه العتاب إلى السامري