التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
٧٢
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً
٧٣
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً
٧٤
أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً
٧٥
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً
٧٦
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً
٧٧
-الفرقان

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {والذين لا يشهدون الزورَ} أي: لا يقيمون شهادة الكذب، أو لا يحضرون محاضر الكذب؛ فإنَّ مشاهدة الباطل مشاركة فيه، أي: يبعدون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطَّائين، فلا يقربونها، تَنَزُّهاً عن مخالطة الشر وأهله. وفي مواعظ عيسى - عليه السلام -: إياكم ومجالسَ الخطَّائين. {وإِذا مَرُّوا باللغو} أي: بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويُطرح، والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو المشتغلين به {مَرُّوا كراماً} معرضين عنه, مكرمين أنفسهم عن التلوث به, كقوله: { وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } [القصص: 55], وعن الباقر: إذا ذَكروا الفروج كفوا عنها، وقال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه وصفحوا.
{والذين إذا ذُكِّروا بآياتِ ربهم} أي: قرئ عليهم القرآن، أو: وعظوا بالقرآن، {لم يَخرُّوا عليها صُمّاً وعُمْياناً}، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية، مجلتين لها بعيون راعية. وإنما عبّر بنفي الضد؛ تعريضاً بما يفعله الكفرة والمنافقون.
{والذين يقولون ربنا هَبْ لنا من أزواجنا}، "من": للبيان، كأنه قيل: هب لنا قرة أعين، ثم بُينت القرة وفُسرت بقوله: {من أزواجنا وذرياتنا} والمعنى: أن يجعلهم الله لهم قرة أعين؛ بأن يروا منهم من الطاعة والإحسان وما تقر به العين. أو للابتداء، أي: هب لنا من جهتهم ما تقر به العين، من طاعة أو صلاح. {و} هب لنا أيضاً من {ذرياتنا قُرةَ أعيُن}؛ بتوفيقهم للطاعة، ومبادرتهم للفضائل والكمالات، فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله تعالى وشاركوه فيها؛ يسر قلبه، وتقر عينه؛ بما شاهده من مقاربتهم له في الدين، ويكون ذلك سبباً في لحوقهم به في الجنة، حسبما وعد به قوله تعالى:
{ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } [الطور: 21].
وإنما قال: "أعين"؛ بلفظ القلة، دون عيون؛ لأن المراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى أعين غيرهم. والمعنى: أنهم سألوا ربهم يرزقهم أزواجاً وأعقاباً، عُمَّالاً لله، يسرون بمكانهم، وتقر بهم عيونهم، قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: (هو الولد إذا رآه يكتب الفقه).
{واجعلنا للمتقين إماماً} أي: أئمة يقتدى بنا في الدين، فاكتفى بالواحد؛ لدلالته على الجنس، أو: واجعل كل واحد منا إماماً؛ أي: من أولادنا إماماً. والظاهر: أن صدور هذا الدعاء منهم كان بطريق الانفراد؛ إذ يتعذر اجتماعهم في دعاء واحد. وإنما كانت عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماماً، غير أنه حكيت عبارة الكل بصيغة المتكلم مع الغير؛ قصداً إلى الإيجاز، كقوله تعالى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } [المؤمنون: 51]. وأبقى إماماً على حاله من الانفراد. قيل: وفي الآية دليل على أن الرئاسة في الدين ينبغي أن تُطلب ويُرغب فيها، إذا كان القصد نفع عباد الله دون حظ نفساني.
{أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة}، جنس، أي: الغرفات، وهي العلالي في الجنة. ووحده بقصد الجنس. {بما صبروا}؛ بصبرهم على مشاق الطاعات، وترك الشهوات، وتحمل المجاهدات، وعلى إذاية أهل الإنكار، وارتكاب الذل والافتقار. {ويُلَقَّون فيها تحيةً وسلاماً} أي: تحييهم الملائكة، ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات. أو: يُحيي بعضُهم بعضاً، ويسلمون عليهم، {خالدين فيها}؛ لا يموتون ولا يخرجون، {حَسُنتْ} أي: الغرفة {مستقراً ومُقاماً}؛ موضعَ قرارٍ وإقامة، وهي مقابلة: {ساءت مستقراً ومقاماً}.
{قل} يا محمد: {ما يعبأُ بكم ربي لولا دعاؤكم} أي: ما يصنع بكم ربِّي، وأي فائدة في خلقكم، لولا دعاؤكم إلى الإسلام والتوحيد، أو: لولا عبادتكم له، أي: إنما خلقكم لعبادته؛ كقوله:
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]؛ فإنما خلق الإنسان لمعرفته وطاعته، وإلا فهو وسائر البهائم سواء. قال المحشي: والظاهر: أنه خطاب لقريش القائلين: {أنسجد لما تأمرنا} أي: لا يحفل بكم ربي لولا تضرعكم واستغاثتكم إياه في الشدائد.هـ.
وقيل: ما يعبأ: بمغفرة ذنوبكم، ولا هو عنده عظيم، لولا دعاؤكم معه الآلهة والشركاء، كقوله:
{ مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ } [النساء: 147]، قاله الضحاك. ثم قال: فظاهره: أن "ما": استفهامية، ويحتمل كَوْنُهَا نَافِيَةً. انظر بقية كلامه.
وفسّر البخاري الدعاء هنا بالإيمان، أي: ما يبالي بكم ربي لولا إيمانكم المتوقع من بعضكم، {فقد كذبتم} بما جاء به الرسول فتستحقون العقاب، {فسوفَ يكونُ} العذاب الذي أنْتَجَهُ تكذيبكم {لِزاماً}؛ لازماً لكم؛ لا تنفكون عنه، حتى يكبكُم في النار. فالفاء في قوله: {فقد كذَّبتم} استئناف وتعليل لكونهم لا يُعبأ بهم، وإنما أضمر العذاب من غير تقدم ذكرٍ؛ للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره، وأنه مما لا تفي العبارة به.
وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر، وأنه لُوزِمَ بين القتلى. وفي المشارق: اللزام: الفيصل، وقد كان يوم بدر. هـ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قوله تعالى: {وإذا مروا بأهل اللغو}، وهم المتكلمون في حس الأكوان، مروا كراماً؛ مكرمين أنفسهم عن الالتفات إلى خوضهم. والذين إذا سمعوا الوعظ والتذكير أنصتوا بقلوبهم وأرواحهم، خلاف ما عليه العامة من التصامم والعمى عنه. {والذين يقولون ربنا..} إلخ، قال القشيري: قرة الروح: حياتها، وإنما تكون كذلك إذا كان بحق الله قائماً. ويقال: قرة العين من كان لطاعة الله معانقاً، ولمخالفة الأمر مفارقاً. هـ. قلت: قرة العين تكون في الولد الروحاني، كما تكون في الولد البشري؛ فإن الشيخ إذا رأى تلميذه مُجِدّاً صادقاً في الطلب، حصل له بذلك غاية السرور والطرب، كما هو معلوم عند أرباب الفن. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وَصلَّى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسَلَّمَ تسليماً.