التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٠٥
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
١٠٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٠٧
تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ
١٠٨
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
١٠٩
-آل عمران

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {يوم} متعلق بالاستقرار في خبر {أولئك}، أو باذكر؛ محذوفة، وقوله: {أكفرتم}: محكي بقول محذوف جواب {أما}، أي: فيقال لهم: أكفرتم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تكونوا} كاليهود والنصارى الذين {تفرقوا} في التوحيد والتنزيه، {واختلفوا} في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:
"افْتَرقَتِ اليَهُودُ على إِحْدَى وسَبْعِين فرقَةً، وافْتَرقَت النَّصارَى عَلَى ثَنْتَيْنِ وسَبْعِين فِرقَةٌ، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقةً، كلُّها في النَّارِ إلا وَاحِدةً. قيل: ومَنْ تلك الواحدة؟ قال: ما أَنَا وأَصْحابِي عَلَيْه" . وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروْوُن الحديث بالمعنى، فلعلَّ الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم.
ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
"اخْتلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ" ، ولقوله: "من اجْتَهَدَ وأصَابَ فله أجْرَانِ، ومن اجْتَهدَ وأخطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَاحد" .
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا {من بعد ما جاءهم البينات} أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، {وأولئك لهم عذاب عظيم}، يستقر لهم هذا العذاب {يوم تبيض وجوه} المؤمنين المتقين على التوحيد، {وتسود وجوه} الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كِنَايتَان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يُوسَم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. {فأما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم يومئذ: {أكفرتم} بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، {بعد إيمانكم} به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضاً: {ذوقوا العذاب} بسبب ما كنتم {تكفرون}.
{وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي: جَنته، {هم فيها خالدون}. وعبَّر بالرحمة عن الجنة؛ تنبيهاً على أن المؤمن، وإنْ استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حِلية المؤمنين لتقدُّم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلعُ الكلام ومقطعُه حليةَ المؤمنين وثوابهم.
{تلك آيات الله} الواردة في وَعْده وَوَعِيدِه، {نتلوها عليك} متلبسة {بالحق} لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، {وما الله يريد ظلماً للعالمين}؛ إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يُمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بيَّنه بقوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه، وأوْعَدَه، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها؛ فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته،
{ لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [الأنبيَاء: 23].
الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين؛ لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف
{ فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر } [القَمَر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء، { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِّلْعَبِيدِ } [فُصّلَت: 46]. وبالله التوفيق.