التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٣
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٣٤
إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٣٥
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ
٣٦
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٧
-آل عمران

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {ذرية}: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و {إذ قالت}: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و {محرراً}: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حُر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحُر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: {وإني سميتها مريم}: عطف على {إني وضعتها}، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله اصطفى آدم}؛ بالخلافة والرسالة، {ونوحاً}؛ بالرسالة والنِّذَارة، {وآل إبراهيم}؛ بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. {وآل عمران}، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خصّ هؤلاء؛ لأن الأنبياء كلهم من نَسْلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. "وآل" مقحمة، كقوله:
{ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ } [البَقَرَة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحقّ - جلّ جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية {على العالمين} أي: كلاً على عَالَمِي زمانه، وبه استدلّ على فضلهم على الملائكة. حال كونهم {ذرية} متشعبة {بعضها من} ولد {بعض} في النسب والدين، {والله سميع} لأقوال العباد وأعمالهم، {عليم} بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة.
ثم تخلًّص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر {إذ قالت امرأة عمران} وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: {ربِّ إني نذرت لك ما في بطني محرراً} لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة، {فتقبل مني إنك أنت السميع العليم}، وكان المحرر عندهم، إذا حُرر، جُعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يُخَيَّر، فإن أحبَّ أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان؛ لأن الجارية لا تصلح للخدمة؛ لما يصيبها من حيض، فحررت أمُّ مريمَ حمْلَها تَدْرِ ما هو.
وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياعَ بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقراً لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصُرت بطائر يطعم فرخاً. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، {فلما وضعتها} أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: {ربِّ إني وضعتها أنثى}، قالت ذلك تحسّراً وتحزناً إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكراً يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: {والله أعلم بما وضعت}، تعظيماً لموضوعها وتنويهاً بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرّاً، قال تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرتُ. ثم قالت: {وإني سميتها مريم} راجية أن يطابق اسمُها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
"حَسْبُكَ من نساءِ العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم" .
ثم قالت حنة أم مريم: {وإني أعيذها بك} أي: أحصنها بك {وذريتها من الشيطان الرجيم} أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَد فَيَسْتَهِلُّ مِنْ مَسِّهِ، إلاَّ مَرْيَمَ وابْنهَا" . ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم.
{فتقبلها ربها} أي: رَضِيَها في النذر مكان الذكَر، {بقبول حسن} أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسِّدانة، رُوِي: أن حنة لما ولدتها لفَّتْها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن (بني ماثان) كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا.
{وأنبتها} الله {نباتاً حسناً} أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، {وكفلها زكريا} أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشدِّ الفاء، أي: وكفَّلها اللّهُ زكريا، أي: جعله كافلاً لها وحاضناً. رُوِيَ: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتاً، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محراباً في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
{كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ ليأتيها بطعامها، {وجد عندها رزقاً} أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، {قال يا مريم أنى لك هذا} أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ {قالت هو من عند الله} فلا يُستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثدياً قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة.
ثم قالت: {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلاً منه، وقوله: {كلما}: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يَذَرْ تَعهُّدهَا، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعاً، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائماً وألا يظهر، فما كان زكريا معتمداً على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: {يا مريم أنى لك هذا}، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري.
رَوى جابر بنُ عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يُصِبْ عندهم شيئاً، فأتى فاطمة فقال:
"يا بُنيةُ، هل عندك شيء؟" فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتُها برَغِيفَيْن وبِضْعَة لَحْم، فبعثت حَسَناً وحُسَيْناً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خُبْزاً ولَحْماً، فَبُهِتَتْ، وعرفت أنَّهَا بَرَكَةٌ مِن اللهِ تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين لك هذا يا بُنَيْةُ؟" قالت: {من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}، فحمد الله تعالى، وقال: "الحمْدُ للّهِ الَّذِي جَعلَك شَبِيهَةً بسَيِّدَةِ بَنِي إسْرَائِيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً قالت: {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} " ثم بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عَليٍّ رضي الله عنه. ثم أكل أهلُ البيت كلهم، وجميع أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجَفْنة كما هي، فأَوْسَعَتْ علَى الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيراً. انتهى.
الإشارة: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل؛ لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويُبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحيدث:
"إنَّ الله يَبْعَثُ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهذه الأمة دِينَهَا" . قال الحريري: (مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلّى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت منادياً ينادي: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوّف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف.
وقوله تعالى: {إذ قالت امرأة عمران}... الآية. كُلُّ من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتاً حسناً، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طُرَفِ الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ {قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}. وأنشدوا:

فَلاَ عَمَلٌ مِنِّي إليه اكْتَسَبْتُه سِوَى مَحْضِ فَضْلٍ، لا بشيءٍ يُعلَّلُ

وقال القشيري: قوله تعالى: {فتقبلها ربها بقبول حسن}، يقال: منَ القبول الحسن أنه لم يطرح كَلَّهَا وشَغْلَهَا على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقاً، ليعلَم العالمون أن الله - تعالى - لا يُلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليّاً من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. هـ.
قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولداً على الكبر. فطلب الولد.