التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً
١١
-الأحزاب

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمةَ الله عليكم}، أي: ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وكان بعد حرب أُحد بِسَنَةٍ. {إذ جاءتكُمْ جنودٌ} أي: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنضير، وهو السبب في إيتانهم، {فأرسلنا عليهمْ ريحاً} أي: الصَّبَا، قال عليه الصلاة والسلام: "نُصرت بالصَّبَا، وأُهْلكَتْ عاد بالدَّبُور" . قيل: كانت هذه الريح معجزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريباً منها، ولم يكن بينهم إلا عُرض الخندق، وكانوا في عافية منها. {و} لا شعور لهم بها. وأرسلنا عليهم {جنوداً لم تروها} وهو الملائكة، وكانوا ألفاً، فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور.
وكان سبب غزوة الأحزاب: أن نفراً من اليهود، منهم ابن أَبي الحقيق، وحُيَي بن أخطب، في نفر من بني النضير، لَمَّا أجلاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم من بلدهم، قَدِموا مكة فحرّضوا قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا إلى غطفان، وأشجع، وفزارة، وقبائلَ مِنَ العرب، يُحرضونهم على ذلك، على أن يعطوهم نصف تمر خَيْبَرَ كل سنة. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حِصن، والحارث بن عوف في مُرة، وسعد بن رخيلة في أشجع، وعامر بن الطفيل في هوازن.
فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم، ضرب الخندق على المدينة، برأي سلمان. وكان أول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يؤمئذ حُر. وقال: يا رسول الله: إنا كنّا بفارس، إذا حُوصرنا: خَنْدَقْناَ علينا، فحفر الخندق، وباشر الحفر معهم بيده صلى الله عليه وسلم. فنزلت قريش بمجتمع الأسيال من الجُرُفِ والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم. ونزلت عطفان وأهل نجد بذنب نَقَمَي، إلى جانب أُحد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام.
واشتد الخوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون، بِضعاً وعشرين ليلة، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى. فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمَن معهما، وكتبوا الكتاب ولم يقع الإشهاد، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ: أشيء أمرك الله به، لا بدّ من العمل به، أم شيء تُحبه فتصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال:
"لا، بل شيء أصنعه لكم، أردتُ أن أكْسِر عنكم شوكتهم" . فقال سعد: يا رسول الله؛ لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قِرىً، أو شراءً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزَّنا بك، نعطيهم أموالنا! لا نعطيهم إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: "فأنت وذاك" ، فمحا سعدُ ما في الكتاب، وقال: ليجهدوا علينا.
ثم إن الله تعالى بعث عليهم ريحاً باردة، في ليلة شاتية، فأحصرتهم، وأحثت الترابَ في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأكفأت القدور، وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض. وأرسل الله تعالى عليهم الرُعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء يقول: يَا بَني فلان، علمُّوا، فإذا اجتمعوا إليه قال: النَّجا، النَّجا، أوتيتم. فانهزموا من غير قتال.
{وكان الله بما تعملون بصيراً}، أي: بصيراً بعملكم، من حَفر الخندق، ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم، والثبات معه، فيجازيكم عليه، وقرأ أبو عمرو: بالغيب، أي: بما يعمل الكفار؛ من البغي، والسعي في إطفاء نور الله، {إِذ جاؤوكم} هو بدل من: (إذ جاءتكم)، {من فوقكم}؛ من أعلى الوادي، من قِبَل المشرق. وهم بنو غطفان. {ومن أسفل منكم}؛ من أسفل الوادي من قِبَل المغرب، وهو قريش. {وإذْ زاغتِ الأبصارُ}؛ مالت عن مستوى نظرها؛ حَيْرَةً وشخوصاً. أو: مالت إلى عدوها، لشدة الخوف، {وبلغت القلوبُ الحناجرَ}؛ رُعباً. والحنجرة: رأس الغَلْصَمَة، وهي منتهى الحلقوم، الذي هو مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت الرئة، من شدة الفزع والغضب، رَبَتْ، وارتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة.
رُوي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال:
"نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا" .
{وتظنون بالله الظنُونا}؛ الأنواع من الظن. والمؤمنون أصناف؛ منهم الأقوياء، ومنهم الضعفاء، ومنهم المنافقون. فظنّ الأقوياء، المخلصون، الثُبْتُ القلوب؛ أن ينجز الله وعده في إعلاء دينه، ويمتحنهم، فخافوا الزلل وضعْفَ الاحتمال، وأما الآخرون؛ فظنُّوا ما حكى عنهم، وهو الذين زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، دون الأقوياء رضي الله عنهم، وقرأ أبو عمرو وحمزة: {الظنون}؛ بغير ألف، وهو القياس. وبالألف فيهما: نافع، والشامي، وشعبة؛ إجراء للوصل مجرى الوقف. والمكيّ، وعليّ، وحفص: بالألف في الوقف. ومثله: { الرَّسُولاْ } [الأحزاب: 66] و { السَّبِيلاَْ } [الأحزاب: 67]، زادوها في الفاصلة، كما زادوها في القافية، كقوله:

"أقِلّي اللَّوْمَ، عَاذِلَ؛ والعِتابا"

وهو في الإمام: بالألف.
{هنالك ابْتُلي المؤمنون} أي: اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المزلزل، {وزُلزلوا زلزالاً شديداً}؛ وحُركوا بالخوف، تحريكاً شديداً.
الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص؛ اذكروا نعمة الله عليكم بالتأييد والنصر، فحين تَوَجَّهْتُمْ إليّ، ودخلتم في طريق ولايتي، رفضتكم الناس، ونكرتكم، ورمتكم عن قوس واحدة، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس من كل جانب، حتى هممتم بالرجوع أو الوقوف. وإذ زاغت الأبصار: مالت عن قصدها؛ بالاهتمام بالرجوع، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين، وتظنون بالله الظنونا، فمنهم مَن يظن الامتكان بعد الامتحان، فيفرحون بالبلاء، ومنهم مَن يظن أنه عقوبة... إلى غير ذلك، هنالك ابتلي المؤمنون المتوجهون؛ ليظهر الصادق، في الطلب، من الكاذب فيه، فعند الامتحان يعز المرء أو يُهان، ويظهر الخَوّافون من الشجعان، وزُلزلوا زلزالاً شديداً؛ ليتخلصوا ويتمحصوا، كما يتخلص الذهب والفضة من الناس، ومَن عرف ما قصد؛ هان عليه ما ترك.
قال القشيري: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم..} يعني: بمقابلتها بالشكر، وتَذَكُّرِ ما سَلَفَ من الذي دفع عنك، يهون عليك مقاساة البلاءِ في الحال. وبذكرك لما أولاك في الماضي؛ يقرب من الثقة بوصول ما تؤمِّلهُ في الاستقبال. فمن جملة ما ذكّرهم قوله: {إذ جاءتكم جنود..} الآية: كم بلاء صَرَفَه عن العبد وهو لا يشعر، وكم شغل كنت بصدده، فصدّه عنك ولم تعلم، وكم أمر صرفه، والعبد يضج، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره هلاكَه، فيمنعه منه؛ رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صَدْرُه. هـ.
ثم ذكر سبحانه نتيجة الابتلاء فقال: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ...}