التفاسير

< >
عرض

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
١٨
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
١٩
-سبأ

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {وجعلنا بينهم} أي: بين سبأ {وبين القرى التي باركنا فيها} بالتوسعة على أهلها بالنعم والمياه، وهي قرى الشام، {قُرىً ظاهرةً} متواصلة يُرى بعضها من بعض؛ لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو: ظاهرة للسَّابلة، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم، وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة، من سبأ إلى الشام، {وقدَّرنا فيها السيْرَ} أي: جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم، يقيل المسافر في قرية، ويروح إلى أخرى، إلى أن يبلغ الشام. وقلنا لهم: {سِيرُوا فيها} ولا قول هناك، ولكنهم لَمَّا تمكنوا من السير، ويُسّرت لهم أسبابه، فكأنهم أُمروا بذلك، فقيل لهم: سيروا في تلك القرى {لياليَ وأياماً آمنينَ} أي: سيروا فيها إن شئتم بالليل، وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو: سيروا فيها آمنين لا تخافوا عدواً، ولا جوعاً، ولا عطشاً، وإن تطاولت مدة سيركم، وامتدت أياماً وليالي. فبطروا النعمة، وسئموا العافية، وطلبوا الكدر والتعب.
{فقالوا ربَّنا باعِدْ بين أسفارِنَا} قالوا: يا ليتها كانت بعيدة، نسير على نجائبنا، ونتخذ الزاد، ونختص بالربح في تجاراتنا، أرادوا أن يتطاولوا على الفقراء بالركوب على الرواحل، ويختصوا بالأرباح. وقرأ يعقوب "ربُّنا" بالرفع "باعَدَ" بفتح العين، فربنا: مبتدأ، والجملة: خبر، على أنه شكوى منهم ببُعد سفرهم، إفراطاً في الترفيه وعدم الاعتداد بالنعمة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بشد العين، من "بعِّد" المضعف. والباقون بالألف والتخفيف، من: باعد، بمعنى "بعد" المشددة. {وظلموا أنفسَهم} بما قالوا، وما طلبوا، ففرّق الله شملهم، كما قال تعالى: {فجعلناهم أحاديثَ} يتحدث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، ويضرب بهم الأمثال، يقال: تفرقوا أيادي سبأ، وأيدي سبأ، يقال بالوجهين. وفي الصحاح: ذهبوا أيادي سبأ، أي: متفرقين، فهو من المُركّب تركيب مزج.
{ومزَّقناهم كل مُمزّقٍ} أي: فرقناهم كل تفريق، فتيامن منهم ست قبائل، وتشاءمت أربعة، حسبما تقدم في الحديث. قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما أنمار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، والأزد بنعمان. هـ. قلت: وفيه مخالفة لظاهر الحديث، فإن أنمار جد خثعم وبجيلة، ولم يكونوا في المدينة.
والذي هو المشهور أن الأوس والخزرج هما اللذان قدما المدينة، فوجدوا فيها طائفة من بني إسرائيل، بعد قتلهم للعماليق. وسبب نزولهم بها: أن حَبْرين منهم مَرَّا بيثرب مع تُبع، فقالا له: نجد في علمنا أن هذه المدينة مهاجرَ نبي، يخرج في آخر الزمان، يكون سنه كذا وكذا، فاستوطناها، يترصَّدان خروجه صلى الله عليه وسلم، فمن نسلهما بقيت اليهود في المدينة، والأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ابن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. وولد مازن بن الأسد هم غسان، سموا بماء اليمن، شربوا منه. ويقال: غسان: ماء بالشمال شربوا منه، نُسبوا إليه. قال حسان:

أما سألت فإنا معشرٌ نجبٌ الأسْدُ نسبتُنا والماء غسان

{إنَّ في ذلك لآيَاتٍ لكل صبَّارٍ} عن المعاصي {شكورٍ} للنعم، أو: لكل مؤمن؛ لأن الإيمان نصفان؛ نصفه صبر، ونصفه شكر.
الإشارة: وجعلنا بين السائرين وبين منازل الحضرة المقدسة منازلَ ظاهرة، ينزلوها، ويرحلون عنها، آمنين من الرجوع، إن صَدَقوا في الطلب، وهي منازل كثيرة، وأهمها اثنا عشر مقاماً: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والصبر، والشكر، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، والمراقبة، والمشاهدة. ومنازل الحضرة هي الفناء، والبقاء، وبقاء البقاء، والترقِّي في معاريج الأسرار والكشوفات، أبداً سرمداً. يقال للسائرين: سيروا فيها، وأقيموا في كل منزل منها، ليالي وأياماً، حتى يتحقق به نازله، ثم يرحل عنه إلى ما بعده. ثم إن قوماً سئموا من السير وادَّعوا القوة، فقالوا: ربَّنا باعد بين أسفارنا حتى يظهر عزمنا وقوتنا، وظلموا أنفسهم بذلك، ففرقناهم عنا كل تفريق، وعوّقناهم عن السير كل تعويق، ليكون ذلك آية وعبرة لمَن بعدهم، فلا يخرجون عن مقام الاستضعاف والمسكنة، والانكسار والذلة، "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي".
وسبب الحرمان هو إبليس كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ...}