التفاسير

< >
عرض

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً
١٣٠
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً
١٣١
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
١٣٢
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً
١٣٣
-النساء

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

{وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن يتفرقا} أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، {يُغن الله} كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سُلُو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، {وكان الله واسعًا} قدرته {حكيمًا} أي: متقنًا في أحكامه وأفعاله. ثم بيَّن معنى سعته فقال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائمًا بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبةً عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها، وخرجت فكرتها من سجن الأكون، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك "، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلاًّ من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود.
وفي قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} إشارة إلى أن من كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملَّكه الله ما في السماوات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه
{ وَمَا ذّلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ } [إبراهيم:20].
ولمّا جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذَّر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال:
{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً}
قلت: {من قبلكم}: يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و {إياكم} : عطف على الذين، و {أن اتقوا}: على حذف الجار، أي: بأن اتقوا، أو مفسرة؛ لأن التوصية في معنى القول، و {إن تكفروا} على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: {وإن تكفروا...} الخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد وصينا} الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم {الكتاب من قبلكم} كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم {أن اتقوا الله} بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيَه، ظاهرًا وباطنًا، وقلنا لهم ولكم: {وإن تكفروا} فإن الله غني عن كفركم وشكركم؛ فقد استقر له {ما في السماوات وما في الأرض} ملكًا وعبيدًا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمًة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: {وكان الله غنيًا حميدًا} أي: غنيًا عن الخلق وعبادتهم، محمودًا في ذاته، حُمِد أو لم يُحمد.
{ولله ما في السماوات وما في الإرض} كرره ثالثًا؛ للدلالة على كونه غنيًا حميدًا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدًا. قاله البيضاوي. {وكفى بالله وكيلاً} أي: حافظًا ومجيرًا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. {إن يشأ يذهبكم أيها الناس} إن لم تتقوه، ويأت بقوم آخرين، هم أطوع منكم وأتقى، {وكان الله على ذلك قديرًا} أي: بليغ القدرة لا يعجزه مُراد.
قال البيضاوي: وهذا ـ أي قوله: {إن يشأ يذهبكم...} ـ أيضًا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره، وقيل: هو خطاب لمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، وهو معنى قوله:
{ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } [محمد:38] لما رُوِي: أنَّهَا لمَا نزلَت ضَربَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَه على ظهر سَلمَان وقال) "إنّهم قَومُ هذا" .
الإشارة: التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصَّى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرّب المقربين وشرّف المكرمين. ولها خَمسُ درجاتٍ: أن يتقي العبد الكفر؛ وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات؛ وهو: مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات؛ وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السَّوى والحس؛ وهو مقام المشاهدة.
ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهداية؛ لقوله تعالى:
{ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة:2]، والنصرة؛ لقوله: { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ } [النّحل:128]، والولاية؛ لقوله: { وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } [الجَاثيَة:19] والمحبة؛ لقوله { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين } [التّوبَة:4]، وتنوير القلب؛ لقوله: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } [الأنفال:29]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله: { وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [الطلاق:2،3]، وتيسير الأمور؛ لقوله: { وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق:4] وغفران الذنوب وإعظام الأجر؛ لقوله: { وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } [الطّلاَق:5]، وتقبل الأعمال؛ لقوله: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المَائدة:27] والفلاح؛ لقوله: { وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [البَقَرَة:189] والبشرى؛ لقوله: { لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَفي الآَخِرَةِ } [يُونس:64]، ودخول الجنة؛ لقوله: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّاتِ الْنَّعِيِم } [القَلَم:34] والنجاة من النار؛ لقوله: { ثُمَّ نُنَجّي الَّذِينَ اتَّقَواْ } [مريم:72]. هـ. من ابن جزي.
ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه:

عليكَ بتقوى الله في السرِّ والجهرِ ذا شئتَ توفيقَا إلى سُبُلِ الخيرِ
لأن التُّقى أصلٌ إلى البِرَّ كلَّه فخُذه تَفُز بكلِّ نوعٍ من البرِّ
وخيرُ جميعِ الزاد ما قال ربُّنا فَكُن يا أخي للهِ مُمتَثِل الأمر