التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً
٦٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً
٦١
فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً
٦٢
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً
٦٣
-النساء

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {رأيت المنافقين}، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالنفاق وذمًا لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و {صدودًا}: مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و {يحلفون} حال. و {في أنفسهم} يتعلق بقُل، وقيل ببليغًا. وهو ضعيف؛ لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد {إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} وهم المنافقون، {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت}، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، {وقد أُمروا أن يكفروا به}، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدًا}، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله.
قال ابن عباس: إنَّ منافقًا خَاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعَاهُ اليَهُوديُّ إلى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي بالحق؛ فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عُمَر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله عنه: إن عمر فرّق بين الحق والباطل. فسُمي الفاروق.
{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين} أي: بعضَهم، {يصدون عنك} غير راضين بحكمك {صدودًا} عظيمًا. {فكيف} يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} كقتل عمر المنافقَ، بسبب ما قدمت {أيديهم} من عدم الرضى بحكم الله، {ثم جاؤوك} يطلبون ديّة صاحبهم، {يحلفون بالله إن أردنا} بالإنصراف إلى عمر {إلا أحسانًا} منه بالخصمين، {وتوفيقاً} بينهما، قطعًا للنزاع بينهما، قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئًا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، {فأعرض عنهم}، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، {وقل لهم في أنفسهم}، أي: خاليًا بهم {قولاً بليغًا} يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليّا لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وَحدَكَ فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم.
الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حُكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالاً بعيدًا. إلا أن يتوبوا ويُصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك.
فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حُكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانًا وهو حفظ مالنا، وتوفيقًا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يُعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.