التفاسير

< >
عرض

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ
١٨
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ
١٩
وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٢٠
-غافر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {وأنذِرْهُم يوم الأَزفةِ} أي: القيامة، سُميت بها لأزوفها، أي: قُربها. فالأُزوف والازدلاف هو القرب، غير أن فيه إشعاراً بضيق الوقت، أو الخطة الأزفة، وهي مشارفة أهل النار لدخولها، ثم أبدل من يوم الآزفة قوله: {إِذِ القلوبُ لدى الحناجر} أي: التراقي، يعني: ترتفع قلوبُهم عن مقارّها، فتلتصق بحناجرهم من الرعب، فلا هي تخرج فيموتوا فيستريحوا، ولا ترجع إلى مقارها فيتروّحوا. حال كونهم {كاظمين}؛ ممسكين الغيظ بحناجرهم، أو: ممسكين قلوبهم بحناجرهم، يرومون ردها لئلا تخرج، فهو حال من القلوب، وجمعت جمع السلامة لوصفها بالكظم، وهو من أوصاف العقلاء، أو: من أصحاب القلوب؛ إذ الأصل: قلوبهم، أو: من ضميرها في الظرف، {ما للظالمين من حميمٍ} أي: قريب مشفق {ولا شفيعٍ يُطاع} أي: ولا شفيع تُقبل شفاعته، فالمراد: نفي الشفاعة والطاعة، كقول الشاعر:

وَلاَ تَرَى الضّبَّ فيها يَنْجَحِرْ

يريد به: نفي الضب وانجحاره. وكقول الآخر:

عَلَى لاحِبٍ لا يُهتدَى بِمَنَارِه

وإن احتمل اللفظ نفي الطاعة دون الشفاعة. فعن الحسن البصري: "والله ما يكون لهم شفيع ألْبتة". ووضع "الظالمين" موضع الضمير؛ للتسجيل عليهم بالظلم وتعليل الحكم به.
{يعلم خائنةَ الأعين} أي: النظرة الخائنة، كاستراق النظر إلى ما لا يحلّ. قيل: فيه تقديم وتأخير، أي: الأعين الخائنة، وقيل: مصدر، كالعافية، أي: خيانة الأعين. قال ابن عباس رضي الله عنه: هو الرجل يكون جالساً مع القوم، فتمر المرأة، فيسارقهم النظر إليها. هـ. وقال ابن عطية: متصل بقوله: {سريع الحساب}، فيحاسب على خيانة الأعين، وقالت فرقة: متصل بقوله: {لا يَخفى على الله منهم شيء}، وهذا حسن، يُقويه تناسب المعنيَيْن، ويُبعده بعدُ الآية من الآية، وكثرة الحائل. والحاصل: أنه متصل بما تقدّم من ذكر الله ووصفه، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: {ليُنذر يوم التلاق} الآية. قاله المحشي. {و} يعلم {ما تُخفي الصدورُ} أي: ما تُكنّه من خيانة وأمانة. وقيل: هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوةٍ مسارقة، ثم يتفكّر بقلبه في جمالها، ولا يعلم بنظرته وفكرته مَن حَضرَه، والله يعلم ذلك كله.
{والله يقضي بالحق} أي: ومَن هذه صفاتُه لا يقضي إلا بالعدل، فيُجازي كُلاًّ بما يستحقه؛ إذ لا يخفى عليه خفيّ ولا جليّ، {والذين يَدْعُون}؛ يعبدونهم {من دونه} من الآلهة {لا يقضون بشيء}، وهذا تهكُّم بهم؛ لأن الجماد الذي لا يعقل لا يقال فيه: يقضي ولا يقضي، وقرأ نافع بالخطاب؛ أو: على إضمار "قل"، {إِن الله هو السميعُ البصير}؛ تقرير لقوله: {يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور} ووعيد لهم؛ لأنه يسمع ما يقولون، ويُبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دون الله، بأنها لا تسمع ولا تُبصر.
الإشارة: قال القشيري: قيامةُ الكل مؤجَّلة، وقيامةُ المحبين مُعَجَّلة، في كلِّ نَفَسٍ من العتاب والعذاب، والبعَاد والاقتراب، ما لم يكن في حساب، وشهادة الأعضاء بالدمع تشهد، وخفَقَانُ القلب ينطق، والنحولُ يُخْبِرُ، واللونُ يفضح، والعبد يستر، ولكن البلاء يُظهر، قال:

يَا مَن تَغَيَّرُ صُورَتِي لَمَّا بَدا لِجَمِيعِ ما ظَنوا بِنَا تَحْقِيقُ

وقوله تعالى: {إِذِ القلوبُ لدى الحناجرِ كاظمين}، هو في حق مَن فاته التأهُّب والترقِّي في هذه الدار، فتحسَّر حين يُعاين مقامات الرجال، وليس له شفيع يُرقيه، ولا حميم يُصافيه. وقوله تعالى: {يعلم خائنة الأعين} هو في حق العارفين: النظر إلى السِّوى بعين الاستحسان. قال القشيري: خائنة الأعين هي من المحبين استحسانهم شيئاً ـ أي: من السِّوى ـ وأنشدوا:

يَا قُرَّةَ العَيْن: سَلْ عَيني هَلْ اكْتَحَلَتْ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عَنْ عَيْنِي؟

وأنشد أيضاً:

وعَيْني إِذا اسْتَحْسَنَتْ غَيْرَكُمْ أَمَرْتُ الدَّمعَ بِتأدِيبها

قلت: ومثله قول الشاعر:

وناظرٌ في سِوى مَعْناكَ حُقَّ لَهُ يَقتَصُّ مِنْ جَفْنِه بالدَّمْع وهُو دَمُ
والسَّمْعُ إِنْ حَالَ فِيهِ ما يُحدِّثُه سوَى حَدِيثكِ، أَمْسى وَقْرُه الصَّمَمُ

ثم قال: ومن خائنة الأعين: أن تأخذهم السِّنَةُ والسِّنات في أوقات المناجاة، وفي قصص داود عليه السلام: "كَذَبَ مَن ادَّعَى محبتي، فإذا جَنَّهُ الليل نام عني، ومن خائنة أعين العارفين: أن يكون لهم خير، أي: استحسان يقع لقلوبهم مما تقع عليه أعينهم، ينظرون ولكن لا يُبصرون ـ أي: ينظرون إلى المستحسنات، ولكن لا يقفون معها ـ ومن خائنة أعين الموحِّدين ـ أي: السائرين للتوحيد ـ أن يخرج منها قطرة دمعٍ، تأسفاً على مخلوق يفوت من الدنيا والآخرة، ومن خائنة الأعين: النظرُ إلى غير المحبوب بأَي وجهٍ كان، ففي الخبر: "حُبَّكَ الشيء يُعْمِي ويُصمُّ" أي: يُغَيبك عن غيره، فلا ترى إلا محاسن الحبيب، وجماله في مظاهر تجلياته، وإليه يشير قول ابن الفارض رضي الله عنه:

عَيْنِي لِغَيْرِ جَمَالِكُمْ لاَ تَنْظر وَسِوَاكُم في خَاطِري لاَ يَخْطُر

وقوله تعالى: {والله يقضي بالحق} قال القشيري: يقضي للأجانب بالبعاد، ولأهل الوداد بالوصال، ويقضي يومَ القدوم بعدل عُمال الصدود. هـ. أي: يعدل في أهل الصدود عن حضرته، فيجازيهم بنعيم الأشباح فقط. ثم قال: وإذا ذبح الموت غدا بين الجنة والنار على صورة كبش أملح، فلا غَرو أن يذبح الفراق على رأس سكة الأحباب، في صورة شخص، ويُصلب على جذوع الغيرة، لينظر إليه أهل الحضرة. هـ.
ثم أمر بالتفكُّشر ـ الذي هو طريق النجاة من كل ضرر ـ فقال: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ}.