التفاسير

< >
عرض

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
٥١
أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ
٥٢
فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
٥٣
فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٤
فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ
٥٦
-الزخرف

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {ونادى فرعونُ}، إما بنفسه، أو: أمر مَن ينادي، كقولك: قطع الأميرُ اللصّ. والظاهر أنه نادى بنفسه، {في قومه}؛ في مجمعهم وفيما بينهم، بعد أن كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمنوا، {قال يا قوم أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهارُ}؛ أنهار النيل، ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تييس، {تجري من تحتي}؛ تحت سريري؛ لارتفاعه، أو: بين يدي في جناتي وبساتيني.
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: نيل مصر سيد الأنهار، سخّر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها، وفجّر له كل نهر عيوناً، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. قاله في الاكتفاء. ومهبطه من جبل القمر، وقيل: أصله من الجنة، والله تعالى أعلم. وحدُّ مصر: من بحر الإسكندرية إلى أسوان، بطول النيل. والأنهار المذكورة هي الخلجان الكبار، الخارجة من النيل.
وعن عبد الله بن طاهر: أنه لما ولي مصر خرج إليها، فلما شارفها، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون، حتى قال: {أليس لي ملك مصر}؟ والله لهي أقلّ عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه. وعن هارون الرشيد: أنه لما قرأها، قال: والله لأولينّها أخسَّ عبيدي، فولاها الخُصَيْب، وكان خادم وُضوئه.
{وهذه الأنهارُ}: إما عطف على "ملك مصر"، فـ"تجري": حال منها، أو: واو الحال، فـ"هذه" مبتدأ، و"الأنهار": صفتها و"تجري": خبر، {أفلا تُبصرون} قوتي وسلطاني، مع ضعف موسى وقلة أتباعه. أراد بذلك استعظام ملكه وترغيب الناس في اتباعه.
ثم قال: {أم أنا خير} مع هذه المملكة والبسْطة {مِن هذا الذي هو مَهينٌ} أي: ضعيف حقير، من: المهانة، وهي القلة. {ولا يكاد يُبينُ} الكلام لما به من اللثة. قاله افتراء عليه عليه السلام، وتنقيصاً له في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه عليه السلام. وقد كانت ذهبت عنه، لقوله تعالى:
{ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُوؤْلَكَ يَا مُوسَى } [طه: 36]. والهمزة للتقرير، كأنه قال إثر ما عدّد من أسباب فضله، ومبادئ خيريته: أثبت عندكم واستقر لديكم أني أنا خير، وهذه حال، مِن هذا. وإما متصلة، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون؟ فوضع قوله: {أما أنا خير} موضع "تُبصرون"؛ لأنهم إذا قالوا: أنت خير؛ فهم عنده بُصَراء. وهذا من باب تنزيل السبب منزلة المسبب. انظر أبا المسعود.
{فلولا أُلْقِيَ عليه أسَاوره من ذهب} أي: فهلاَّ أُلقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقاً، لأنهم كانوا إذا سوّدوا رجلاً سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب. {أو جاء معه الملائكةُ مقترنين}؛ مقرونين يمشون معه، مقترن بعضهم ببعض، ليكونوا أعضاده وأنصاره، أو: ليشهدوا له بالنبوة؟ {فاستخف قومَهُ} أي: فاستفزهم، وطلب منهم الخفة والسرعة في مطاوعته. أو: فاستخف أحلامهم واستزلهم، {فأطاعوه} فيما أمرهم به {إِنهم كانوا قوماً فاسقين}، خارجين عن الدين، فلذلك سارعوا إلى طاعته.
{فلما آسَفُونا}؛ أغضبونا أشد الغضب، منقول من: أَسف: إذ اشتد غضبه، {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين}، والمعنى: أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن نُعجِّل لهم العذاب، وألا نحلُم عليهم. {فجعلناهم سَلَفاً}؛ قدوة لمَن بعدهم من الكفار، يسلكون مسلكهم في استيجاب مثل ما حلّ بهم من العذاب، فكل مَن تفرعن وتجبّر ففرعون إمامه وقدوته. أو: جعلناهم متقدمين في الهلاك، ليتعظ بهم مَن بعدهم إلى يوم القيامة. والسلف: جمع سالف، وهو الفارط المتقدم، {ومثلاً للآخِرين} أي: عظةً لهم، أو: قصة عجيبة، تسير مسير الأمثال، فيقال: مثلكم كقوم فرعون، كما قال تعالى:
{ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ } [آل عمران: 11]. وهاهنا قراءات، قد وجَهناها في كتاب مستقل.
الإشارة: عاقبة التكبُّر والافتخار الذُّل والهوان والدمار، وعاقبة التواضع والانكسار العزُّ والنصرة، انظر إلى فرعون لما تعزّز واستكبر هلك مع قومه في لُجة البحار. قال القشيري: ليعلم أن مَن تعزّز بشيء دون الله فهلاكه وحتْفه فيه، وفرعون لمَّا استصغر موسى وحديثه، وعابَه بالفقر، سلَّطه الله عليه، فكان هلاكه بيده، وما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلط عليه. ثم قال في قوله تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه}: طاعةٌ الرهبة لا تكون مخلصةً، وإنما تكون الطاعةُ صادقةً إذا صَدَرَتْ عن الرغبة، {فلما آسفونا}؛ أغضبونا، وإنما أراد: أغضبوا أولياءنا، وهذا أصل في باب الجمع، أضاف إغضابهم أولياءه إلى نفسه. وفي الخبر أنه تعالى يقول:
"مرضت فلم تعدني" وقال لإبراهيم عليه السلام: { يَأْتُوكَ رِجَالاً } [الحج: 27] وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: { مَّن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80]. هـ.
ثم ذكر شأن عيسى، فقال: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً}.