التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٥٤
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
٥٥
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ
٥٦
-المائدة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {من}: شرطية، و {يرتد}: فعل الشرط، فمن قرأه بالتفكيك فعلى الأصل، ومن قرأه بالإدغام ففتحه تخفيفًا. وجملة {فسوف يأتي}: جواب، والعائد من الجملة محذوف، أي: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم...الخ. و {أذلة}: نعت ثاني لقوم، جمع ذليل، وأتى به مع على؛ لتضمنه معنى العطف والحنو، و {لا يخافون}: عطف على يجاهدون، وجملة: {وهم راكعون}: حال إن نزلت في عليّ رضي الله عنه، أو عطف إن كانت عامة.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} ويرجع عنه بعد الدخول فيه، فسيأتي الله بقوم مكانهم؛ {يحبهم} فيثبتهم على دينهم، {ويحبونه} فيجاهدون من رجع عن دينه، وهم أهل اليمن، والأظهر أنهم أبو بكر الصدّيق وأصحابه، الذين قاتلوا أهل الردة، ويدل على ذلك الأوصاف التي وصفهم الله بها من الجد في قتالهم، والعزم عليه، التي كانت من أوصاف الصدّيق، وكذلك قوله: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} فقد كان أبو بكر ضعيفًا في نفسه، قويًا في ذات الله، لم يخف في الله لومة لائم، حين لامه بعض الصحابة في قتالهم.
وفي الآية إخبار بالغيب قبل وقوعه، فقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: بنو مدلج، وكان رئيسهم الأسود العنسي، تنبأ باليمن، واستولى على بلادهم، ثم قتله فيروز الديلمي، ليلة قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من غدها، وأخبر بموته الرسولُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ فسُر المسلمون. وبنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب، تنبأ باليمامة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمةَ رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجابه صلى الله عليه وسلم:
" "من مُحمَّدٍ رَسُول اللهِ إلى مسيلمةَ الكَذَّابِ، أمَّا بَعدُ: فَإنَّ الأرض للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِن عِبَادِهِ والعَاقِبَة للمتّقِين" ، فحاربه أبو بكر بجند المسلمين، وقتله وحشي قاتلُ حمزة، وبنو أسد قوم طليحة، تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله، فهرب إلى الشام، ثم أسلم وحسن إسلامه.
وفي عهد أبي بكر، بنو فزارة قومِ عُيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن مسلمة، وبنو سليم، وبنو يربوع قوم مالك بن نَويرة، وبعض تميم، قوم سَجَاح المتنبئة زوجة مسيلمة، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين، فكفى الله أمرهم على يديه. وفي مدة عمر رضي الله عنه غسان، قوم جبلة بن الأيهم، الذي ارتد من اللطمة. فهؤلاء جملة مَن ارتد من العرب. فأتى الله بقوم أحبهم وأحبوه، فجاهدوهم حتى ردوهم إلى دينهم. ومحبة الله للعبد: توفيقه وعصمته وتقريبه من حضرته. ومحبة العبد لله: طاعته والتحرز من معصيته، وسيأتي في الإشارة الكلام عليها.
ثم وصفهم بقوله: {أذلة على المؤمنين} أي: عاطفين عليهم خافضين جناحهم لهم، {أعزة على الكافرين} شداد متغالبين عليهم، وهذا كقوله فيهم:
{ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفَتْح:29]، {يجاهدون في سبيل الله} من ارتد عن دين الله، {ولا يخافون لومة لائم} لصلابتهم في دين الله، وفيه إشارة إلى خطأ من لام الصِّدِّيق في قتال أهل الردة، وقالوا كيف تقاتل قومًا يقولون: لا إله إلا الله؟ فقال: ( والله لنقاتلن مَن فَّرق بين الصلاة والزكاة) ـ فلم يلتفت إلى لومهم. {ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء}، الإشارة إلى ما خصهم الله به، من المحبة والأخلاق الكريمة، {والله واسع} الفضل والعطاء {عليم} بمن هو أهله.
ولمّا نهى عن موالاة الكفار ذكر من هو أهل للموالاة فقال: {إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا}؛ لم يقل: أولياؤكم بالجمع، تنبيهًا على أن الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على التبع، ثم وصفهم بقوله: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي: خاضعون لله، ولعباده متواضعون، منقادون لأحكامه، أو يتصدقون في حال ركوعهم في الصلاة، حرصًا على الخير ومسارعة إليه، قيل: نزلت في علي ـ كرم الله وجهه ـ؛ سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فطَرح له خاتمه، وقيل: عامة، وذكر الركوع بعد الصلاة؛ لأنه من أشرف أعمالها.
{ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا}، أي يتخذهم أولياء، {فإن حزب الله هم الغالبون} أي: فإنهم الغالبون، ووضع الظاهر موضع المضمر ليكون كالبرهان عليه، فكأنه قال: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، وتنويهًا بذكرهم وتعظيمًا لشأنهم، وتعريضًا بمن يوالي غير هؤلاء. فإنه حزب الشيطان، وأصل الحزب: القوم يجتمعون لأمر حَزَبَهُم. قاله البيضاوي.
الإشارة: محبة الحقّ تعالى لعبده سابقة على محبته له، كما أن توبته عليه سابقة لتوبته، قال تعالى: {يحبهم ويحبونه}،
{ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } [التّوبَة:118]، قال أبو يزيد رضي الله عنه: غلطت في ابتداء أمري في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه، فلما انتهيت، رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي من قبل طلبي له. هـ.
وفي الحِكَم: " أنت الذاكر من قبل الذاكرين، وأنت البادىء بالإحسان من قبل توجه العابدين، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين، وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين".
ومحبة الله لعبده: حفظه ورعايته، وتقريبه واصطفاؤه لحضرته، وقال القطب بن مشيش ـ رضي الله عنه ـ: المحبة أخذة من الله قلبَ من أحب، بما يكشف له من نور جماله، وقدس كمال جلاله، وشراب المحبة: مزج الأوصاف بالأوصاف، والأخلاق بالأخلاق، والأنوار بالأنوار، والأسماء بالأسماء، والنعت بالنعوت، والأفعال بالأفعال.
قلت: ومعنى ذلك: غيبة العبد في شهود الحق، وهو مقام الفناء، ثم قال رضي الله عنه: والشراب ـ أي: الشرب ـ سقي القلوب والأوصال والعروق من هذا الشراب، حتى يسكر، ويكون الشرب بالتدريب بعد التدريب والتهذيب، أي يكون شرب الخمرة شيئًا فشيئًا، ووقتًا فوقتًا، حتى يتمكن من شهود المعاني بلا فترة، فذلك الرّي، وذلك بعد كمال التهذيب، فيسقى كل على قدره، فمنهم من يسقي بغير واسطة، والله سبحانه يتولى ذلك منه، ( قلت: وهو نادر، والغالب عليه الانحراف)، ومنهم من يسقي من جهة الوسائط، كالملائكة والعلماء والأكابر من المقربين، ( قلت: قوله: كالملائكة... تمثيل للوسائط، فالملائكة؛ للأنبياء، والعلماء بالله وأكابر المقربين لغيرهم)، ثم قال: فمنهم من يسكر بشهود الكأس، ولو لم يذق بعدُ شيئًا، فما ظنك بعدُ بالذوق، وبعدُ بالشرب، وبعدُ بالري، وبعدُ بالسكر بالمشروب؟! ثم الصحو بعد ذلك على مقادير شتى، كما أن السكر أيضًا كذلك. انظر بقية كلامه مع شرحه في شرحنا لخمرية ابن الفارض.
وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: المحبة لها ثلاث مراتب: بداية ووسط ونهاية؛ فبدايتها لأهل الخدمة، كالعباد والزهاد والصالحين والعلماء المجتهدين. ووسطها لأهل الأحوال، الذين غلب عليهم الشوق حتى صدرت منهم شطحات ورقصات وأحوال غريبة ربما ينكرها أهل ظاهر الشريعة، فمنهم من يغلب عليه الجذب حتى يصطلم، ومنهم من يبقى معه شيء من الصحو، وهؤلاء تظهر عليهم كرامات وخوارق العادات، ونهايتها لأهل العرفان، أهل مقام الشهود والعيان، الذين شربوها من يد الوسائط وسكروا بها، وصحوا. هـ. بالمعنى.
وفي الورتجبي ما حاصله: أن محبتهم بعد المشاهدة، وإلا لم تكن محبة حقيقة؛ لان محبة الآلاء والنعماء معلولة، ولا كذلك هذه، لأن من رآه عشقه، وكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب بعشقه لجماله؟ ولذلك لم يرتدوا عن دينهم الذي هو المحبة. هـ.
وللمحبة علامات وثمرات، ذكر بعضَها الحق تعالى بقوله: {أذلة على المؤمنين} أي: متواضعين عاطفين عليهم، {أعزة على الكافرين}، أي: القواطع، غالبين عليهم، {يجاهدون في سبيل الله} أي: أنفسهم وأهواءهم، {ولا يخافون لومة لائم}؛ إذ لا يراقبون سوى المحبوب، وليس للمحبة طريق إلا محض الفضل والكرم. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}؛ لكن صحبة المحبوبين عند الله من أسبابها العادية، وهم أولياء الله الذين هم حزب الله، فولايتهم والقرب منهم من أسباب القرب والمحبة، ومن موجبات النظر والغلبة؛ {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.
ثم نهى عن صحبة ضدهم، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ}.