التفاسير

< >
عرض

وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
١٠٥
-الأنعام

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: تصريف الشيء: إجراؤه على أحوال متعاقبة وجهات مختلفة، ومنه: تصريف الرياح لهبوبه من جهات مختلفة، ولما كانت آيات القرآن تنزل على أنواع مختلفة في أوقات متعاقبة، شبهت بتصريف الرياح على أنحاء مختلفة، {وليقولوا}: متعلق بمحذوف، أي: وليقولوا: درست، صرفنا الآيات، واللام للعاقبة، وكذلك: {ولنبينه}: المتعلق واحد.
يقول الحقّ جلّ جلاله: ومثل ذلك التصريف الذي صرفنا من الآيات، من قوله:
{ إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى } [الأنعَام:95]، إلى قوله: { قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِِرُ مِن رَّبِكُمْ } [الأنعَام:104] ـ {نُصرِّف الآيات} في المستقبل لتكون عاقبة قوم الشقاء بها بتكذيبهم إياها، {وليقولوا} لك: {دارسْتَ} أهل الكتاب، وتعلمت ذلك منهم، وليس بوحي، أو {درسَت} هذه الأخبار وعفت، وأخبرت بها من إملاء غيرك عليك، كقولهم: أساطير الأولين، وليكون عاقبة قوم آخرين الاهتداء، وإليهم الإشارة بقوله: {ولنبينه لقوم يعلمون} أي: وليتضح معناه عند قوم آخرين، فيهتدوا به إلى معرفتي وتوحيدي ومحل رضواني وكرامتي، فالخطاب متحد، والأثبر مختلف على حسب السابقة.
الإشارة: ظهور الآيات على يد أهل الخصوصية ـ كالعلوم اللدنية والمواهب الربانية ـ لا يوجب لهم التصديق لجميع الخلق، فلو أمكن ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى به، بل لا بد من الاختلاف، فقوم قالوا: هذه العلوم... دارس فيها وتعلمها، وقوم قالوا: بل هي من عند الله لا كسب فها، قال تعالى:
{ وَلاَ يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ } [هُود:118].
ثم أمر نبيه بالإعراض عن أهل الإنكار، فقال: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}.