التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٥٩
قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٦٠
قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٦١
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٦٢
أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
٦٣
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ
٦٤
-الأعراف

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {أوَ عَجبتم}: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و {في الفلك}: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه}، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفًا وثلاثمائة سنة، {فقال يا قوم اعبدوا الله} وحده {ما لكم من إله غيرُه} يستحق أن يُعبد، {إني أخاف عليكم}، إن لم تُؤمنوا وتُوحدوا الله {عذابَ يوم عظيم} وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان.
{قال الملأُ} أي: الأشراف {من قومه}؛ لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: {إنا لنَراكَ في ضلالٍ مبين} أي: في خطأ بيِّن عن الحق، {قال يا قوم ليس بي ضلالةٌ} أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، {ولكني رسولُ من ربّ العالمين} أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى؛ لأني رسول من رب العالمين، {أبلغكم رسالاتِ ربي} كما أمرني، {وأنصحُ لكم} جُهدي، {وأعلمُ من الله ما لا تعلمون} من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات؛ لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام.
ثم قال لهم: {أو عَجبتُم} أي: أكذبتم وعجبتم من {أن جاءكم ذِكرٌ} أي: تذكير ووعظ {من ربكم} {على} لسان {رجل منكم} أي: من جملتكم، أو من جنسكم؛ كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون:
{ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لأَنزَلَ مَلآئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءَابآئِنَا الأَوَّلِينَ } [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا مِن كونِ شخص رسولاً، ولم يَعجبوا من كون الصنم شريكًا لله، هذا فَرطُ الجهالة وغاية الغواية. هـ. وحكمة إرساله؛ كونه جاءكم {لينذركم} عاقبة الكفر والمعاصي، {ولتتقوا} الله بسبب تلك الإنذار، {ولعلكم ترحمون} بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي؛ التنبهُ على أن التقوى غير مُوجب للترحم بذاته، وإنما هو ـ أي: الترحم ـ فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمَن من عذاب الله.
{فكذبوه فأنجيناه والذين معه} هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حَملناهم {في الفلك} أي: السفينة، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان؛ {إنهم كانوا قومًا عَمِينَ} أي: عُمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عَميين، مخفف. قاله البيضاوي.
الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها؛ حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين.
ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}.