التفاسير

< >
عرض

وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٦٠
-الأنفال

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {وأعدوا لهم}، أي: لناقضي العهد، أو لمطلق الكفار، {ما استطعتم من قوة}، أي: ما قدرتم عليه من كل ما يتقوى به في الحرب. وعن عقبة ابن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "ألاَ إنَّ القُوَّة الرَّمْي" ُ" قالها ثلاثاً، ولعله عليه الصلاة والسلام خصه بالذكر؛ لأنه أعظم القوى، {و} أعدوا لهم أيضاً {من رباط الخيل} اي: من الخيل المربوطة للجهاد، وهو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، بمعنى مفعول، أو مصدر، أو جمع ربيط؛ كفصيل وفصال.
والمراد: الحث على استعداد الخيل العتاق التي تربط وتعلف بقصد الجهاد، وهو من جملة القوة، فهو من عطف الخاص على العام، للاعتناء بأمر الخيل لما فيها من الإرهاب. ولذلك قال: {تُرهِبون به} أي: تخوفون بذلك الأعداء، أو بما ذكر من الخيل المربوطة، {عدو الله وعدوَّكم} يعني كفار مكة، {وآخرين من دُونهم} أي: من غيرهم من الكفرة، كفارس والروم وسائر الكفرة، {لا تعلمونَهم}، أي؛ لا تعرفونهم اليوم، {الله يعلمهم}،وسيمكنكم منهم، فتقاتلونهم وتملكون ملكهم، {وما تُنفقوا من شيء في سبيل الله}، في شأن الاستعداد، وغيره مما يستعان به على الجهاد، {يُوف إليكم} جزاؤه، {وأنتم لا تُظلمون} بتضييع عمل أو نقص أجر، بل يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة، بسبعمائة أو أكثر. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وأعدوا لجهاد القواطع والعلائق التي تعوقكم عن الحضرة، ما استطعتم من قوة، وهو العزم على السير من غير التفات، ومن رباط القلوب في حضرة الحق، تُرهبون به عدو الله، وهو الشيطان، وعدوكم، وهي النفس، وآخرين من دونهم: الحظوظ واللحوظ وخفايا خدع النفوس، لا تعلمونهم، الله يعلمهم؛ كالرياء والشرك الخفي، فإنه يدب دبيب النمل، وما تنفقوا من شيء يُوف إليكم أضعافاً مضاعفة، بالعز الدائم والغنى الأكبر، وأنتم لا تُظلمون.
وقال الورتجبي: أَعلم الله المؤمنين والعارفين استعداد قتل أعداء الله، وسمى آلة القتال بقوة، وتلك القوة قوة الإلهية التي لا ينالها العارف من الله إلا بخضوعه بين يديه، بنعت الفناء في جلاله، فإذا كان كذلك يلبسه الله لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته، ويغريه إلى الدعاء عليهم، ويجعله منبسطاً، حتى يقول في سره: إلهي خذهم، فيأخذهم بلحظة، ويسقطهم صرعى بين يديه بعونه وكرمه، ويسلي قلب وليه بتفريجه من شرور مُعارضيه ومنكريه، وذلك سهم رمى نفوس الهمة عن كنانة الغيرة، كما رمى نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى منكريه حين قال:
"شاهت الوجوه" ، وهذا الرمي من الله بقوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}.
سمعت أن ذا النون المصري رضي الله عنه كان في غزو، وغلب المشركون على المؤمنين، فقيل له: لو دعوت الله، فنزل عن دابته وسجد، فهُزم المشركون في لحظة،وأُخذوا جميعاً، وأُسروا، وقُتلوا.
وأيضاً: وأعدوا: أي اقتبسوا من الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها. قال أبو علي الروذباري، في قوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}، فقال: القوة هي الثقة بالله، قيل ظاهر الآية: إنه الرمي بسهام القِسي. وفي الحقيقة: رمي سهام الليالي في الغيب؛ بالخضوع والاستكانة، ورمي القلب إلى الحق؛ معتمداً عليه، راجعاً إليه عما سواه. هـ.
ثم بيّن أن المعول على الله ونصرته، لا على السلاح والآلات بقوله: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}، أي: قواك بقوته الأزلية، ونصرك بنصرته الأبدية، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. ثم بيّن سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم، وجمعهم على محبة الله ومحبة رسوله، بعد تباينها بتفريقة الهموم في أودية الامتحان، بقوله: {وألَّف بين قلوبهم}. وقال القشيري: الإشارة بقوله: {تُرهبون}: إلى أنه لا يجاهد على رجاء غنيمةٍ ينالها، أو إشفاء صدر عن قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمة الله هي العليا. هـ.
ثم دلَّ على الصلح لمصلحة، فقال: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}.