التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١١٥
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١١٦
-التوبة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {وما كان الله ليضل قوماً}؛ أي: يسميهم ضلالاً، ويؤاخذهم مؤاخذتهم، {بعد إذ هداهم} للإسلام، {حتى يُبين لهم ما يتقونَ} أي: حتى يُبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، فإن خالفوا بعد البيان، أضلهم وآخذهم إن لم يتوبوا. قال البيضاوي: وكأنه بيان عذر الرسول في قوله لعمه: "لأستغفرن لك، ولمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع" . وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر، ولم يعلموا بالنسخ والمنع. وفي الجملة: دليل على أن الغافل غير مكلف. هـ. وقال ابن جزي: نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تأنيساً لهم، أي: ما كان الله ليؤاخذهم بذلك قبل أن يُبَيَّن لكم المنع من ذلك. هـ. {إن الله بكل شيءٍ عليمٌ}؛ فيعلم أمرهم قبل النهي وبعده.
{إن الله له ملكُ السمواتِ والأرضِ}، يتصرف فيهما وفي ساكنهما كيف يشاء، {يُحيي} من يريد إبرازه لعالم الشهادة، {ويميت} من يريد رده لعالم الغيب، أو يحيي قلوباً بالإيمان والمعرفة، ويميت قلوباً بالكفر والغفلة. {وما لكم من دون الله من وليِّ ولا نصير}.
قال البيضاوي: لمَّا منعهم من الاستغفار للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري منهم رأساً، بيَّن لهم أن الله تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا إليه ويتبرؤوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه. هـ.
الإشارة: وما كان الله ليضل قوماً عن السير إلى حضرته، أو الترقي في العلوم والمعارف بعد الوصول، حتى يُبين لهم ما يتقون من سوء الأدب على لسان الشارع أو المشايخ، فإذا تبين لهم ذلك ثم ارتكبوه وأصروا عليه، أضلهم، وأتلفهم عن الوصول إلى حضرة قدسه، فإنَّ كل طاعة وحسن أدب يقرب من الحضرة، وكل معصية وسوء أدب يُبعد عن الحضرة، وقد قالوا: من أساء الأدب على البساط، طُرد إلى الباب، ومن أساء الأدب في الباب، طُرد إلى سياسة الدواب. وبالله التوفيق.
ثم ذكر توبته على الثلاثة المُرجوْن، فقال: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ}.