التفاسير

< >
عرض

وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
١٢
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ
١٣
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ
١٤
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٥
-التوبة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {وإن نكثُوا أَيمانَهم} أي: نقضوها {من بعدِ عهدهم} أي: من بعد ما أعطوكم من العهود على الوفاء بها، {وطعنوا في دينكم} بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام، {فقاتِلُوا أئمّةَ الكفر} أي: فقاتلوهم لأنهم أئمة الكفر، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير؛ للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدم في الكفر، فهم أحِقاء بالقتل، وقيل: المراد رؤساء المشركين، والتخصيص: إما لأن قتلهم أهم وهم أحق به، أو للمنع من مراقبتهم، {إنهم لا أَيمان لهم} على الحقيقة، وإلاًَّ لم يقدروا أن ينكثوها، واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر لا تلزم، وهو ضعيف؛ لأن المراد، نفي الوثوق عليها، لا أنها ليست بأيمان. قاله البيضاوي. قلت: وما قالته الحَنَفِيِّةُ هو مذهب المالكية، إذا حنث في حال الكفر، ثم أسلم، فلا يلزمه شيء. وقرأ ابن عامر بكسر الهمزة، أي: لا أيمان لهم صحيحاً يعصم دماءهم.
{لعلهم ينتهون} أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه، كما هي طريقة أهل الإخلاص لا إيصال الإذاية لهم، أو مقابلة عداوة.
ثم حضَّ على قتالهم فقال: {أَلاَ تُقاتِلُون قوماً نَكَثُوا أَيمانهم} التي حلفوها للرسول صلىالله عليه وسلم وللمؤمنين على ألا يعاونوا عليهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة، {وهمّوا بإخراج الرسول} حين تشاوروا في أمره بدار الندوة على ما مرّ، {وهم بدؤوكم أول مرة} بالمعاداة والمقاتلة؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بدأهم بالدعوة، وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة، فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم، {أتخشونهم} أي: أتهابون قتالهم حتى تتركوا أمري، {فالله أحقُّ أن تخشَوه إن كنتم مؤمنين}؛ فإن قضية الإيمان ألا يُخاف إلا منه.
ثم وعدهم بالنصر فقال: {قاتلوهم يُعذِّبْهُم الله بأيديكم ويُخْزِهِمْ}؛ يُهنهم بالقتل والأسر، {وينصركُمْ عليهم}، فيمكنكم من رقابهم، ويملككم أموالهم ونساءهم، {وَيشْفِ صدورَ قومٍ مؤمنين}، يعني: بني خزاعة شفوا صدورهم من بني بكر؛ لأنهم كانوا أغاروا عليهم وقتلوا فيهم. وقيل: بطوناً من اليمن قدموا مكة وأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديداً، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
"أبشروا، فإن الفرج قريب" . {ويُذْهِبْ غيظَ قلوبهم}؛ بما لقوا منهم حين أغاروا عليهم، وقد أوفى الله بما وعدهم؛ بفتح مكة وهوازن.
والآية من المعجزات. قاله البيضاوي. وهذا يقتضي أن هذا التخصيص كان قبل الفتح، فيلتئم مع ما بعده، ويبعد اتسامه مع ما قبله من البراءة، ونبذ العهد والإعلام بذلك؛ لكونه بعد الفتح، والله أعلم. قاله المحشي. ويمكن الجواب بأن يكون صدر السورة بعد الفتح، وبعضها؛ من قوله: (وإن أحد من المشركين...) إلخ نزل قبل الفتح، فإن الآيات كانت تنزل متفرقة فيقول صلى الله عليه وسلم:
"اجعلوا هذه الآية في محل كذا" . والله تعالى أعلم.
ثم أخبر تعالى بأن بعض المشركين يتوب من كفره بقوله: {ويتوبُ اللَّهُ على من يشاءُ} هدايته، فيهديه للإيمان، ثم يتوب عليه، وقد كان ذلك في كثير منهم. {والله عليمٌ} بما كان يكون، {حكيم} لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق حكمته.
الإشارة: من رجع عن طريق القوم، ونقض عهد الأشياخ، ثم طعن في طريقهم، لا يرجى فلاحه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أعني في طريق الخصوص؛ لأنه جمع بين نقض العهد والطعن على الأولياء، وقد قال تعالى:
"من آذى لي ولياً فقد آذنني بالحرب" . ومن رجع عنها؛ لضعف ووهن، مع بقاء الاعتقاد والتسليم، فربما تقع الشفاعة منهم فيلحق بهم، بخلاف الأول، فقد تقدم عن القشيري، في سورة آل عمران، أنهم يريدون الشفاعة فيه، فيخلق الله صورة على مثله، فإذا رأوها تركوا الشفاعة فيه، فيبقى مع عوام أهل اليمين. فانظره. وبالله التوفيق.
ثم عاتبهم على تأخر بعضهم عن الجهاد، فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ}.