التفاسير

< >
عرض

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٩٠
-التوبة

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (المُعَذَرُون): أصله: المعتذرون، نقلت حركة التاء إلى العين، وأدغمت التاء في الذال. وقرأ يعقوب: "المُعذِرونَ": اسم مفعول، من أعذر، إذا بالغ في العذر.
يقول الحق جل جلاله: {وجاء المُعذرون عن الأعراب} يعتذرون في التخلف عن الغزو؛ {ليُؤذَنَ لهم} في القعود، قيل: هم أسد وغطفان؛ استأذنوا في التخلف، معتذرين بالجهد وكثرة العيال. قيل: كاذبين، وقيل: صادقين. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك غارت طيّئ على أهالينا ومواشينا، وقيل: نزلت في قوم من غِفار.
{وقَعَدَ الذين كذبوا اللَّه ورسوله} من غير هؤلاء، وهم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا في تخلفهم، فكذبوا في دعواهم الإيمان بالله ورسوله، يقال: كذبت فلاناً ـ بالتخفيف، أي: أخبرته بالكذب. ثم ذكر وعيدهم فقال: {سيُصيبُ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم}؛ في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
الإشارة: المتخلفون عن طريق الخصوص على ثلاثة أقسام:
قسم: أقروا بها، وعرفوا صحتها، ثم شحوا بأنفسهم وبخلوا بأموالهم، فاعتذروا في التخلف عنها بأعذار باطلة، هؤلاء لا حجة لهم عند الله، وقوم أقبح منهم، لم يلتفتوا إلى من جاء بها ولم يرفعوا بذلك رأساً. قال تعالى في مثلهم: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}.
وقسم: أقروا بها، وطلبوا الدخول فيها، لكن غلبتهم الأقدار، وأظهروا غاية الاعتذار، وتحقق عذرهم عند الواحد القهار، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ}.