التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٤
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
٥
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ
٦
-إبراهيم

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} إلى قوله {(مِّن رَّبَّكُمْ) عَظِيمٌ}: المعنى: وما أرسلنا رسولاً إلا بلغة قومه ليفهموا عنه، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم، بلغة سعد ابن بكرٍ بن هوازن: وهي أفصح اللغات. فالمعنى: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم من قبل محمد (صلى الله عليه وسلم من رسول) إلا بلسان الأمة التي أرسل إليها، ليبين لهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه، لتقوم الحجة عليهم، ولا يبقى لهم عذر. فيوفق الله من يشاء إلى الإيمان، ويخذل من يشاء فيبقى على كفره.
{وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ}: أي: الممتنع ممن أراده (ولا يمتنع عليه أحد) [إن] أراد خذلا(نه)، لأنه الحكيم في توفيقه للإيمان من أراد أن يوفقه.
فإن قيل: فيجب ألا تلزم الحجة من كان من العجم، لأنهم لا يفهمون لسان العرب، فالجواب: أنه إذا ترجم ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم، وفهموا الدعوة لزمتهم الحجة، لقوله تعالى:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } [سبأ 28]، ولقوله: { (لأُنذِرَكُمْ) بِهِ وَمَن بَلَغَ } [الأنعام: 19] ولقوله: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107].
فكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وفهم ما دعاه إليه (يأتي يساره إن) لزمته الحجة، ودخلت تحت قوله
{ وَمَن بَلَغَ } [الأنعام: 19] وتحت قوله: { كَآفَّةً لِّلنَّاسِ } [سبأ: 28].
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ (مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ)}: قوله: {أَنْ أَخْرِجْ} "أن" في موضع نصب على تقدير حذف (حرف) الجر. والتقدير: بأن أخرج.
(وقيل: "أن" زائدة، ومثله: كتبت إليه أن قم): ومعنى الآية {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ} من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، بالأدلة والحجج، والآيات، وهي التسع آيات المذكورة في القرآن. بأن يخرج قومه من الكفر إلى الإيمان، ويذكرهم: {بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}: أي: بنعم الله عليهم في الأيام الخالية، إذ أنقذهم من آل فرعون، ومما كانوا فيه من العذاب، وإذ فلق لهم البحر، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى في أشباه لهذا من النعم. قاله مجاهد، وقتادة.
(وكذلك رواه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بأيام الله: بنعم الله).
قال مالك، (رحمه الله) {بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}: ببلاء الله الحسن عندهم، وأياديه.
وقال ابن زيد: المعنى: وذكرهم بالأيام التي انتقم الله، عز وجل فيها من الأمم الماضية، فيتعظوا، ويزدجروا، ويخافوا أن يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم، ودل على ذلك قوله بعد الآية:
{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } [إبراهيم: 9]، ثم قال: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}: والمعنى: إن في النعم التي مضت على الأمم الخالية، وأن في النعم التي أنعم عليكم لعلامات ظاهرة، لكل ذي صبر على / طاعة الله عز وجل وشكر له على ما أنعم عليه من نعمه، (جلت عظمته).
وقال قتادة عند تلاوة هذه الآية: "نِعْم العبدُ عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر".
ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ}: أي: واذكر يا محمد! إذ قال موسى لقومه: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}: (أي): يذيقونكم شديد العقاب. وقد يجوز (مع ذلك) أبناءكم، ودخلت الواو مع "ويذبحون"، لتدل على آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع العذاب (غير) التذبيح.
وروي أن فرعون كان يذبح كل غلام، ويستحي النساء، وكانت الحوامل عنده مدونات، والقوابل يغدون عليهن ويرحن. وعندهم رجال قد شدوا أوساطهم، وجعلوا فيها السكاكين التي يذبحون بها الولدان. وأيديهم مخضبة بالدماء.
ثم قال (تعالى): {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ}: أي: اختبار لكم من ربكم. ويكون البلاء هنا النعمة، فيكون المعنى: (إن) في إنجائه إياكم نعمة عظيمة.
وقيل: المعنى: وفيما جرى عليكم بلية عظيمة.