التفاسير

< >
عرض

رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
٣٧
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٣٨
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
٣٩
رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ
٤٠
رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ
٤١
-إبراهيم

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي / زَرْعٍ} - إلى قوله - {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}. معنى الآية: إنه دعاء من إبراهيم صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك حين أسكن اسماعيل، وأمه هاجر مكة.
قال ابن عباس: إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم اسماعيل (وإن) أول ما أحدث النساء جر الذيول، لمن أم اسماعيل، وذلك أنها لما فرت من سارة أرْخَتْ من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم، ومعها إسماعيل حتى انتهى بها إلى موضع البيت، فوضعها، ثم رجع. فأتبعته، فقالت: إلى (أي) شيء تكلنا؟ (إلى أي طعام تكلنا)، إلى أي شراب تكلنا؟.
فجعل إبراهيم لا يرد عليها عيناً، فقالت: (آلله) أمرك بهذا؟ قال نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء. أقبل على الوادي، فدعا، فقال: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} - الآية - قال: وكان مع هاجر شن، فيه ماء. فنفد الماء فعطشت، فانقطع اللبن. فعطش الصبي، فنظرت أي: الجبال أدنى من الأرض، فصعدت الصفا، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً. فلم تسمع شيئاً، فانحدرت. فلما أتت إلى الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي. فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت المروة، فتسمعت هل تسمع صوتاً، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً كالإنسان الذي يكذب سمعه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك، فأغثني، فقد هلكت وهلك من معي. فجاء الملك بها، حتى انتهى (بها) إلى زمزم. فضرب بقدمه ففارت، فجعلت هاجر تفرغ من شنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"رحم الله أم إسماعيل! لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً" . وقال الملك لها: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما (هي) عين لشرب ضيفان الله. وقال لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله (جل وعز) بيتاً، وذا موضعه، ثم ذهب، وبقيت هاجر، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا. ثم أشرفوا فإذا هم بهاجر وابنها، فأتوها، فطلبوا أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، فسكنوا عندها. ثم أتتها المنية فماتت، رحمة الله عليها، فتزوج اسماعيل امرأة من جُرْهم، ثم كان من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله (عز وجل).
وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة. ومعنى: {بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}: أي: المحرم من استحلال حرمات الله (تعالى) فيه، والاستخفاف بحقه.
وقوله: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}: أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع إليهم، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى الحج، ولا تقدر على التخلف.
وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس / تهوي إليهم، لحجت اليهود والنصارى، والمجوس، ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} فحج المسلمون.
قال مجاهد (رحمه الله): لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس، والروم، ولكنه قال: من الناس.
والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، وسمي القلب فؤاداً لتفاؤده:
أي: لتوقده، والتفاؤد: التوقد، والمقتاد: موضع وقود النار.
قال عكرمة، وطاووس، وعطاء: قلوبهم تهوى إلى البيت حتى يأتونه: (أي) يحجون، وهو قول ابن عباس.
وعن ابن عباس أن معنى: {تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}: أي: تهوى السكنى عندهم.
وهذا المعنى إنما يكون على قراءة من قرأه بفتح الواو، وهي قراءة مروية عن مجاهد.
ولما دعا إبراهيم بأن يرزقهم من الثمرات نقل الله (عز وجل)، الطائف من فلسطين إلى موضعها الآن، ففيها من من كل الثمرات.
روي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذا بعث الله جل ذكره، جبريل عليه السلام، فاقتلع الثمار من الشام من موضع يقال له الأردن، وهو نهر، ثم أقبل بالثمار حتى طاف بها حول البيت أسبوعاً، ثم أنزلها جبال تهامة وهي الطائف. ولذلك سميت الطائف.
{لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}: أي: يشكرون نعمك.
ثم حكى الله (عز وجل)، عنه أنه قال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}: أي: تعلم ما نخفي في قلوبنا عند مسألتنا إياك ما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا.
{وَمَا نُعْلِنُ} من دعائنا، فنجهر به. وغير ذلك من أحوالنا.
{وَمَا يَخْفَىٰ} عليك يا رب (من) شيء في الأرض، ولا في السماء.
ثم قال جل ذكره {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي} - الآية -
قال ابن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد تسع عشرة ومائة (سنة).
(وقوله): {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ}: أي: مؤدياً ما ألزمتني من فرائضك، {وَمِن ذُرِّيَتِي}: أي: واجعل أيضاً من ذريتي مقيم الصلاة.
ثم قال تعالى: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}: الدعاء هنا العبادة. والمعنى: "وتقبل عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: { وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60].
فالمعنى: اعبدوني أستجب لكم، ودل على ذلك قوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } [غافر: 60].
{رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}: استغفر إبراهيم لأبيه من أجل
{ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } [التوبة: 114]: أي: مات على كفره.
وقيل: عنى بوالديه: آدم وحواء (عليهما السلام).
وقرأ يحيى بن يعمر، والنخعي: {ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} يعني: إسماعيل، وإسحاق.
وقرأ ابن جبير: "ولوالدي" يعني أباه وجده.