التفاسير

< >
عرض

وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
٣٣
ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ
٣٤
مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٣٥
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٣٦
-مريم

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ} إلى قوله: {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.
معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع.
فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً.
ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل.
ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ}. أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم.
ثم قال: {قَوْلَ ٱلْحَقِّ} من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، فـ {ٱلْحَقِّ} هو الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان /.
ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك.
قال مجاهد: {قَوْلَ ٱلْحَقِّ}. الحق: الله.
أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ "قول الحق" أي هذا قول الله.
ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب لـ: "قول". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق.
وقوله: {ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال.
قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: فقال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ}.
قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} يعني: اختلفوا فصاروا أحزاباً.
قوله تعالى: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}.
هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه.
ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون، وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان لله ليتخذ ولداً. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله:
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } [النساء: 92] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً. فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله "إلا خطأ" والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } [النمل: 60] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك.
فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه.
ثم قال: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه. وقد زل في هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد.
والأمر في هذا إنما هو أحد الأمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ}.
هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا واجبة علينا.
{هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه.
فمن فتح "أن" فعلى معنى: / و "لأن الله". هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وقال الفراء "أن" في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله.
وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ربي.
وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: "أن الله ربي" بغير واو.
فهذا يدل على صحة الاستئناف.
وقيل: الكسر على العطف على: "قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي".
و "سبحانه"، وقف عند نافع.
ولا يحسن الابتداء بـ "أن" على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه: لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً.
وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً.