التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً
٨٨
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً
٨٩
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً
٩٠
أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً
٩١
وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً
٩٢
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً
٩٣
لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً
٩٤
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً
٩٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً
٩٦
-مريم

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} إلى قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً}. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
ثم قال تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}.
أي: يتشققن مما قلتم.
{وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} أي: تتصدع.
{وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن" .
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
ثم قال تعالى: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
ثم قال: {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
ثم قال: {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً}.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً}. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم / الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.