التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
١٨٦
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
١٨٧
وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٨
-البقرة

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} إلى قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
قال الحسن: "هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} الآية".
وروي أن / سائلاً سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. الآية.
وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. الآية.
وقال عطاء: "لما نزلت:
{ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. الآية.
قال السدي: "ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس.
وعن النبي عليه السلام: أنه قال:
"ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}" .
والمعنى عند الطبري: "فإني قريب في كل / وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان".
وقال مجاهد: "لما نزلت: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، قالوا: إلى أين؟ فنزلت:
{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } [البقرة: 115].".
وقال قتادة: "لما نزلت: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ}" الآية.
وقوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.
فمعناه: إذا شئت كما قال:
{ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ } [الأنعام: 41].
وقوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}.
أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: "استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ" بمعنى أجبته.
وقال أبو عبيدة: "معناه: فليجيبوني".
وتحقيق اللفظ عند / أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، / كما يقال: "استنصر"، إذا استدعى النصر.
وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: "{فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} فليدعوني". وقيل: هو التلبية.
وقوله: {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها.
وقال أبو رجاء: {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}: معناه: و "ليصدقوا بي" أني أستجيب لهم.
وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. معناه: لعلهم يهتدون. و "لعل" من الله واجبة.
وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة.
وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: "
"الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ. ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي}" .
وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت.
وقال الحسن في قوله تعالى: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}: "اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله".
وقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف "دعانِ" و "يَرْشُدُونَ".
والفعل من "يرْشُدونَ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ.
ثم قال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}.
أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد النوم ما لم / يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس.
والرفث هنا كناية عن الجماع.
قال ابن عباس: "الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني". وهو قول جميع المفسرين.
وقال الزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته".
والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله:
{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ } [البقرة: 197].
قوله: {فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ}.
المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}، يريد الولد بإجماع من المفسرين.
وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة / ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع.
ثم قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}.
سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان.
وقال الربيع: "معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن".
وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير.
وقيل: إنما / جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى:
{ جَعَلَ لَكُمُ / ٱلَّيلَ لِبَاساً } [الفرقان: 47]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } [الأعراف: 189]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد.
والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: "هو لباسه وغشاؤه" فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: "معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن". وقال ابن عباس أيضاً.
وقوله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}.
أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب عليكم مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب / وعفا عنكم. وذلك أن الله قال:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر.
وقال معاذ بن جبل: "كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من / ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ} الآية.
وقال ابن عباس في الآية: "كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية.
وقال كعب بن مالك: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، / حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله عز وجل: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ} الآية".
وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.
وقال قتادة: "[كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم / إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر".
وقال السدي: "كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ} الآية.
قال أبو العالية وعطاء: "هذه ناسخة لقوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
وقوله: {فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ}.
أي جامعوهن في ليل / الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.
وقوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}: هو الولد". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر".
وقال قتادة: "معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع".
وقيل معناه: "ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح / لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً.
وقوله: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ}.
أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر.
وقال الحسن: "معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [ عليه السلام].
ويروى
"أن عدي بن حاتم أخذ / خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى نواجذه، ثم قال له: ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ" .
وقال سهل بن سعد. "نزلت هذه الآية: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ}، ولم ينزل {مِنَ ٱلْفَجْرِ}. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، / فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار".
وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير / والتقدير: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل".
وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة.
والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.
والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض.
والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى:
{ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } [الإنسان: 7]: أي منتشراً فاشياً.
والفجر في اللغة مصدر، "فجر الماء، يفجر فَجْراً" إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: "فَجْرٌ"، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون.
وقوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: "هو ضوء الشمس من سواد الليل".
وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر.
وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: "تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح".
وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال.
وعن التيمي أنه قال: "الوتر بالليل والسحور بالنهار".
وعنه: "السحور بالليل والوتر بالليل".
وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.
وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}.
إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه / أهل النظر أن "إلى" إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله:
{ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } [المائدة: 6] و { إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } [المائدة: 6]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: {إِلَى ٱلَّليْلِ}. وقد بينا هذا / في المائدة بأشرح من هذا.
وقوله: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ}.
أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً.
ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.
ثم قال: {تِلْكَ حُدُودُ / ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده.
ثم قال: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه.
ثم قال: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.
{وَتُدْلُواْ بِهَا} أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام.
{لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} أي: من طائفة من أموالهم.
{بِٱلإِثْمِ} أي: بالحرام.
{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم.
قال ابن عباس: "هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم".
ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم / حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: "هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم".
يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.
ويقال: "أدلى فلان بحجته" إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: "أدليت الدلو" إذا أرسلتها، و "دَلَوْتُها" إذا رفعتها وأخرجتها.