التفاسير

< >
عرض

وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٩٦
-البقرة

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}.
"ما" في موضع رفع، أي: فعليه ذلك.
وقيل: فوجب عليه ما استيسر. والمعنى واحد.
وقيل: هي في موضع نصب تقديره: فَليُهدِ ما استيسر من الهدي.
قال أبو عمرو: "الهدي جمع. واحده: هَدْيَةٌ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ".
وقيل: هو مصدر لا واحد له كرجال صَومٍ. فهو يقع للواحد والجمع والتأنيث كأنه مصدر "هدى إلى البيت هدياً" وبنو تميم يُثقلون ياء الهدي.
وقال الفراء: "لا واحد له".
قوله: {فَفِدْيَةٌ} أي فعليه فدية.
ويجوز النصب على معنى: فليُفد فديةً، وفليأت فدية.
قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}. الثاني يجوز فيه ما جاز في الأول.
قوله: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ} أي ذلك الفرض على من هذه حالته.
قوله: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ}.
أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد الله: "وأَتِمُّوا الحَجّ والعُمْرَةَ إلَى البَيْتِ لله عز وجل".
وقرأ الشعبي: "والعُمْرَةُ لله" بالرفع / وكأنه تأول أن النصب يوجب فرض العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض بإتمام ما قد دخل فيه الرجل. فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها الداخل فرض.
فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضاً بالآية.
ومعنى النصب: "أتموا الفرض والتطوع. والفرض قد بُيِن بقوله:
{ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } [آل عمران: 97].
قال ابن عباس: "مَن أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما".
وقال مجاهد: "إتمامهما أن يقضي مناسكهما".
وقال علي بن أبي طالب: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك".
ويرد هذا فعل النبي [عليه السلام] إذ لم يحرم إلا من الميقات.
وقال طاوس: "إتمامهما أن تفرد / ولا تقرن".
وقال قتادة: "إتمام العمرة / أن يحرم بها في غير أشهر الحج".
وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القِران ولا متعة لأن من أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم.
وقال سفيان: "إتمامهما أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من الميقات. ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة / حتى إذا صرت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت".
وروي عن عثمان أنه قال: "إتمامهما ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالاً". وليست / العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد: "العمرة فرض كالحج". وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين. وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر.
وروى جابر أن النبي [صلى الله عليه وسلم] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ فقال:
"لا، وأنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك" .
وعنه أنه قال: "الحجُّ جِهادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ" .
وهو قول نافع، والقاسم بن محمد.
وقال ابن مسعود: "الحج فريضة، والعمرة تطوع".
وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله:
{ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } [آل عمران: 97]. إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل فيه من حج أو عمرة. وهو داخل تحت قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } [المائدة: 1]. فمن عقد عقداً من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات فعليه إتمامه فرضاً من الله بآية العقود.
فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج.
ومعنى "اعتمر": قصد، كأنه افتعل من "عَمَرَ". والحج القصد.
وقيل: اعتمر، معناه: زار.
والإحصار عند مجاهد هو الحبس بمرض. وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو خوف أو غيره.
وقال ابن عباس: "هو منع العدو لا غير".
وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [عليه السلام] ومنعهم إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام القابل.
وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في الإحصار، وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته الحج.
قوله: {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ}.
"هو شاة" قال ذلك علي وابن عباس.
وقال قتادة: "أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة".
وقال ابن عمر: "هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير". وهو قول ابن الزبير وعائشة.
فمعنى ذلك أن من حبسه شيء عن إتمام حجه أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل شاة / أو بقرة أو بعير على ما ذكرنا من الاختلاف.
ومذهب مالك أن الشاة تجزي. ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج. فإن كان الإحصار بمرض ونحوه فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في عمرة، وعليه حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج.
قوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه إحلال.
وبلوغ الهدي محله هو نحره أو ذبحه في أي موضع كان، إذا أحصر بخوف أو عدو، لأن النبي [عليه السلام] حل بالحديبية ونحر بها حين صد، وحلقوا رؤوسهم. والحديبية ليست من الحرم. فالنحر مقدم على حلق الرأس بهذه الآية.
قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي بمرض أو نحوه، فمحله بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا / والمروة. وليس على من أحصر بعدو أو خوف قضاء ولا هدي، ويحل في موضعه، [وينحر في موضعه من حل] أو حرم إذا فاته الحج بحصر العدو بخلاف حصر المرض ونحوه الذي يلزم / فيه القضاء ولا يحله إلا البيت، ويلزمه الهدي عند قضاء ما فاته من حج أو عمرة؛ هذا مذهب مالك. إنما القضاء على من فاته الحج من غير إحصار عدو بمرض أو فوات. فإن كان الذي أحصر لم يحج فعليه الحج لازم، وإن كان الذي أحصر بمرض لا يقدر على الوصول، ويخاف على الهدي أن يعطب، أرسله يُنحر بمكة، ويبقى هو على إحرامه حتى يطوف ويسعى وإن أقام سنين.
قوله: {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ}. أي شقيقة أو وجع أو كثرة قمل.
"وهذه الآية نزلت في كعب بن عَجُرَة إذ شكا إلى النبي [عليه السلام] كثرة قمله وذلك عام الحديبية، فأمره النبي [صلى الله عليه وسلم] بحلقه، وأمره بالهدي، فقال: لا أجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صُمْ ثلاثَةَ أيامٍ أوْ [أطْعِمْ ستَّةَ مَساكينَ]. لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، ففي ذلك نزلت الآية" .
وقال الحسن: "عليه صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين". وقاله عكرمة قياساً على المتمتع.
قوله: {فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ}.
ومعنى التمتع عند الفقهاء المدنيين والكوفيين أن يعتمر الرجل الذي ليس من أهل مكة، ويحل من عمرته في أشهر الحج ثُمّ يحج من عامه ولم يرجع إلى أُفقه، أو أُفق مثل أفقه / بين الحج والعمرة. فمن حصل له ذلك فهو متمتع، وعليه شاة. وقيل: بقرة، وقيل: / بدنة.
فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهو معنى قوله: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي هذا الحكم يجب على الغرباء إذا حلوا من عمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا من عامهم. يعني من ليس بقاطن من الغرباء بمكة / يلزمه ذلك، خاصة على ما فسرنا.
قال ابن عباس: "الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى عرفة".
وعن ابن عمر: "هن [يوم قبل] التروية، ويوم التروية ويوم عرفة". وروي ذلك عن علي.
وروي عن علي أنه قال: "آخرها انقضاء أيام منى".
وقالت عائشة رضي الله عنها: "يصوم أيام منى".
وقال مالك: "يصوم ثلاثة أيام قبل النحر، فإن لم يصم صام أيام التشريق و [هي ثلاثة أيام] بعد يوم النحر، فإن لم يصبها صام بعد ذلك".
ولا اختلاف بين الفقهاء أن يوم النحر ويوم الفطر لا يجوز صومهما لأحد.
وقال ابن عباس: "إذا فاته الصوم في العشر، فعليه دم". وهو قول سعيد بن جبير. وهو قول أصحاب الرأي.
وقال ابن عباس: "صيامه الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى يوم عرفة وليس له صوم، قبل إحرامه.
وقال مالك: "يصومهن إذا أهلّ متى ما أهل".
وقال مجاهد وطاوس: "له صومهن في أشهر الحج متى صام، وإذا دخل في الصوم ثُم وجد هدياً، وتمادى على الصوم أجزأ".
واستحب مالك أن يهدي إذا وجد قبل أن يتم قبل الصوم، إن كان صام يوماً أو يومين. فإذا صام أكثر من ذلك استحب أن يهدي. فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وروي عنه إيجاب الهدي إذا وجده، وقد صام يوماً أو يومين، ويصوم السبعة متى شاء؛ إن شاء أخرها حتى يعود إلى مصره، وإن شاء عجل صيامها.
وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
إنما قال تعالى: "عَشَرَةٌ" لجواز أن يظن أن علية ثلاثة أو سبعة فبيّن إيجاب العددين بقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
وقال المبرد: "إنما قيل: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} / لأنه يجوز أن يظن السامع أن ثم شيئاً آخر بعد السبعة، فأزال اللبس".
فأما قوله: {كَامِلَةٌ}، فقال الحسن: "معناه: كاملة من الهدي". أي قد كملت في المعنى الذي جعلت بدلاً منه.
وقيل: معناه الأمر، كأن معناه: "تلك عشرة فأكملوا صومها ولا تقصروا فيها.
وقيل: معنى "كاملة" التوكيد، كما تقول: "سمعته بأذني، ورأيته بعيني"، وكما قال: /
{ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } [النحل: 26]. وقيل: معناه: تلك عشرة وافية للهدي.
وقيل: إنه قد كان جائزاً أن يقول: "وعليكم عشرة من قابل ونحوها" فلما قال: {كَامِلَةٌ}، علم أنه لا فرض بعد ذلك، كما تقول في آخر الحساب: "فذلك كذا وكذا" لتدل على أنه لم يبق شيء.
وقيل: لما كانت العشرة / تتركب من عددين عَيَّنَ الثلاثة والسبعة، ولو صامها أحد على غير [ثلاثة وسبعة] لم يكن بمكمل لما أراد الله عز وجل من الترتيب، فقال: {كَامِلَةٌ}، أي إذا صامها أحدهم على هذا الترتيب كانت كاملة. وإن لم يفعل، فليست بكاملة في الفرض، وهي كاملة في العدد.
فـ "كاملةٌ" ليس بتأكيد للعشرة، وإنما هو تأكيد للكيفية في صومها وترتيبها.
وقيل: لما كانت الواو قد تقع بمعنى "أو"، فتكون مخيرة في صيام سبعة أو ثلاثة. أتى بـ {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ليبين أن الواو ليست بمعنى "أو"، وأن السبعة والثلاثة يلزم صيامها، فبين بـِ "عشرة" ذلك، وأزال اللبس والاحتمال.
وهذا مبني على مذهب الكوفيين في إجازتهم لوقوع الواو بمعنى "أو"، وليس هو مذهب البصريين، لا تقع عندهم الواو بمعنى "أو" لاختلاف مَعْنيهما وحكميهما.
قوله: {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}.
قيل: اللام بمعنى "على" أي ذلك الحكم على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، كما قال:
{ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } [الرعد: 25] أي [و] عليهم. ومنه قول النبي [عليه السلام لعائشة]: "اشتَرِطِي لَهُمْ الوَلاءَ" أي عليهم.
وقيل: اللام على بابها، وأن المعنى: أن التمتع لمن هو من غير أهل مكة ليس بقاطن بها، لأنهم تمتعوا بأحد السفرين إذا اعتمروا وحجوا في سفر واحد وانتقال واحد في أشهر الحج.
وقيل: يراد بذلك أهل الحرم كلهم، لا متعة عليهم.
وقال مالك: "هم أهل مكة وأهل ذي طوى لا متعة عليهم، وليس أهل منى منهم، بل يكونون متمتعين كغيرهم من غير أهل مكة والحرم".
وقيل: هم مَن منزلُه دون الميقات في حرم أو غيره. رواه ابن جريج عن عطاء.
وقال الزهري: "هو الذي بينه وبين مكة اليوم واليومان لا متعة عليه". وكان الطبري يقول: "هو الذي ليس بينه / وبين مكة ما تقصر فيه الصلاة".
وقيل: التمتع لبس الثياب وأخذ الطيب فيما بين العمرة والحج. من فعله، فعليه ما استيسر من الهدي، وذلك إذا كانت عمرته في أشهر الحج، فتمتع؛ فلبس الثياب وأخذ الطيب، ثم حج / من عامه، فهو متمتع إذا كان من غير أهل مكة. وهو خلاف قول أهل المدينة.