التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٢٩
ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ
٣٠
حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
٣١
ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ
٣٢
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٣٣
-الحج

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}. إلى قوله: {مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} /.
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
وقوله: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ}.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
{وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: {حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: {حُرُمَاتِ ٱللَّهِ}: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
ثم قال تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
ثم قال: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
ثم قال تعالى: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ}" .
وقال ابن جريج: {قَوْلَ ٱلزُّورِ} الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: {قَوْلَ ٱلزُّورِ}: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
ثم قال تعالى: {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} أي: فهلك، أو مثل من {تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد / سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}.
أي: ذلك أمر الله، {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ}، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
وقوله: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
ثم قال تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
وقوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
ثم قال: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.