التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
٣٣
ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً
٣٤
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً
٣٥
فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً
٣٦
وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٣٧
وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً
٣٨
وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً
٣٩
-الفرقان

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ}، إلى قوله: {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}.
أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}، أي: أحسن تفصيلاً.
ثم قال: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ}، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا.
قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم.
وروى أنس:
"أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه" .
قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم.
وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً.
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ}، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} أي: معيناً وظهيراً {فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يعني فرعون وقومه {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف.
وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى:
{ فَنَسِيَا حُوتَهُمَا } [الكهف: 61] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز.
والوقف {بِآيَاتِنَا}، وقرئت {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً}، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت {فدمِّرانِهم}، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين {تَدْمِيراً}.
ثم قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ}، أي: واذكر قوم نوح.
وقيل: هو معطوف على المفعول في {فَدَمَّرْنَاهُمْ}.
وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً}.
وقوله: {لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ}، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع.
وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى.
ثم قال {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ}، أي: لهم ولمن هو / مثلهم في الظلم والكفر {عَذَاباً أَلِيماً}، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا.
ثم قال: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ}، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر.
وقيل: ذلك معطوف على الضمير في {جَعَلْنَاهُمْ}.
وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً.
وقوله: {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ}، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً {ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ}، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في {فَدَمَّرْنَاهُمْ}، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس.
قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود.
وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج.
وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد.
قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر.
والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو.
وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا" ، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم.
وقوله: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً}، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا.
وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين.
قال قتادة: القرن سبعون سنة.
وقيل: القرن أربعون سنة.