التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢٧
ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٨
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٩
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٠
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٣١
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٣٢
-الروم

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} إلى قوله: {بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ.
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس.
وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال.
روي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد.
فيكون هذا بمنزلة قوله:
{ وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } [النساء: 30].
وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية.
فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه.
وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين.
وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن".
وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء.
وجاز ذلك في صفات الله كما قال:
{ وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } [النساء: 30].
وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له.
قال ابن عباس: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} ليس كمثله شيء.
وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره.
وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف.
فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف.
{وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} في انتقامه من أعدائه {ٱلْحَكِيمُ} في تدبيره خلقه على ما يشاء.
ثم قال تعالى ذكره: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم.
ثم بيّن ذلك المثل فقال: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء.
{تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً.
وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -.
وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة.
ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه.
ثم قال تعالى: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق.
{فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد.
{وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة.
ثم قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً.
{فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس / على ذلك فطرة.
فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك.
قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه.
كما قال تعالى:
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56].
فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين.
قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } [الأعراف: 172] الآية.
وهو قوله:
{ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً } [البقرة: 213] وقاله مجاهد أيضاً.
وفي الحديث:
"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ" .
قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه.
وفي الحديث:
"أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ" . وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً.
وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص.
وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد.
وقوله جلّ ذكره: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد.
وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية.
ثم قال تعالى: {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
ثم قال تعالى ذكره: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ} أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته.
وقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون.
وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه.
قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم.
قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء.
{وَٱتَّقُوهُ} أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته.
{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: بحدودها في أوقاتها.
{وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: هم اليهود.
وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة.
ومعنى {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي: أحزاباً.
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها.
وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.