التفاسير

< >
عرض

لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
-الأحزاب

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} إلى قوله: {بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ}.
أي: أخذنا من النبيئين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به أمهاتهم.
ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والتوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى:
{ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ } [المائدة: 116] الآية.
ثم قال: {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} أي: أعد للمكذبين الرسل عذاباً مؤلماً، أي موجعاً.
ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي: اذكروا تفضل الله عليكم فاشكروه على ما فعل بكم.
{إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان. ويهود بني قريظة وغيرهم.
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} كانت الريح التي نُصِِرَ بها النبي صلى الله عليه وسلم: الصبا.
قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا.
قال أبو سعيد الخدري:
"قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، قَال: قُولُوا اللهُمَّ اسْتُر عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَال: فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرّيحِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ بِالرّيح" .
قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق تُرْسٌ وكان فيها حديد فضربتها الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد.
قال مجاهد: أُرْسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم.
قال قتادة: {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني: الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً، فخندق رسول الله حوله وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بِعُصْرَةِ رسول الله.
[وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم]. وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث يقول تعالى ذكره: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} فبعث الله عليهم الرعب والريح فذكر لنا أنهم كل ما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً. أطفأها الله حتى لقد ذُكِرَ لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُّم إِلَيَّ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَاءُ أتيتم، لِمَا بعث الله عليهم من الرعب.
قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشاً وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة البرد، وكان في ذلك أعظم آية النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان سبب الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير إلى خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت اليهود على النبي العَرَبُ من أسد وغطفان وغيرهم.
وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشاً على النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وكان إخوة بني / النضير من قريظة وَادَعُوا النبي عليه السلام فلم يزل بهم بنو النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم نزل:
{ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ } [الأحزاب: 26]، أي من حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم وانقلبوا خائبين، ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى محاصرة قريظة الذين أعانوا عليه ونقضوا عهده فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار.
قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع.
وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس.
قال مالك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من وقعة الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم، فقال له: أَوَضَعْتَ الَّلأْمَةَ ولم تضعها الملائكة، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحكموا سعداً فيهم، فحكم بسبي الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا الموضع.
ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} أي: بأعمالكم في ذلك اليوم وغيره، بصير لا يخفى عليه شيء.
ثم قال تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}.
العامل في إذ عند الطبري {تَعْمَلُونَ}، أي: وكان الله بصيراً بعملكم إذ جاؤوكم.
وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم.
وقيل: هي بدل من إذ الأولى.
والاختيار لمن قرأ "الظنونا" و "الرسولا" و "السبيلا" بألف أن يقف عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي يوقف عليها بالألف فيجب أن تجري مجرى ما شبهت به. وهي مع ذلك تمام ووقف حسن.
وقيل: إن هذه الألِفَات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، فهذا مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف. ويدل على قوة الوقف عليها لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون الوصل.
ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم.
قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من أسفل منهم قريش وغطفان. ومعنى {وَمِنْ أَسْفَلَ} من ناحية مكة.
"وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم عهوداً، وكتبوا له في الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا عليه الجموع ونافقوا [عليه] مع قريش، وكان المتولي لذلك حُيي بن أخطب، استمد على النبي صلى الله عليه وسلم بقريش ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان.
واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم فخرجوا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروجهم أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في العمل فعملوه مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله. فذكر أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم معولاً من أحدهم فضرب به ثلاثاً، فكسر الحجر في الثالثة، فذُكِر أن سلمان الفارسي أبصر عن كل ضربة بُرْقَةً ذَهَبَتْ ثَلاَثَةَ وُجُوهٍ، كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قد رأيتُ كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليَمَن، والأخرى نحو الشام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلمَان؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ ذَلِكَ / قَالَ: فَإِنَّهُ ابْيَضَّ إِحْدَاهُنَّ مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَدَائِنُ تِلْكَ البِلادِ، وَفِي الأُخرى مَدِينَةُ الرُّومِ والشَّامِ، والأخْرَى مَدَائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُهَا، والتِي رَأَيْتُ [بِالبَصَرِ] تَبْلُغُهُنَّ الدَّعْوةُ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغابة فحاصروهم قريباً من عشرين يوماً. وقيل أكثر من ذلك.
فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما الناس فيه من البلاء جعل يبشرهم ويقول: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرِّجَنَّ عَنْكُمُ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وَإنِي لأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ العَتِيق آمِناً، وَأَنْ تُدْفَعَ إِلَيَّ مَفَاتِيحُ الكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ قَيْصَراً وَلَنُنْفِقَنَّ أمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ. فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غروراً. وقال آخرون منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا الرسل وعندوا عن الحق وأبوا إلا نقض العهد والخلاف عليه فشقَّ ذلك على النبي عليه السلام والمسلمين، فلما اشتدّ الأمر على المسلمين قال النبي عليه السلام: اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ عَهْدكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَاء لاَ تُعْبَد.
وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وَكَبتَ به المشركين، وعظم في صدورهم، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يعطوه الدية على أن يدفعه إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئاً، ولم يمنعهم من دفنه. ورمي يومئذ سعد بن معاذ رمية قطعت الأَكْحَلَ من عضده، فقال: اللهم اشْفِنِي من بني قريظة قبل الممات، فرقاً الدم بعدما انفجر. وكان هو الذي وجهه النبي عليه السلام إلى بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا مع النبي، فسبوه وأبلغوا فيه، فرجع إلى النبي مغضباً عليهم، فلما فرج الله تعالى عن المسلمين وتفرقت الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلهم، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم رجلاً، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا سعداً فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ. فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست مائة مقاتل -، وسبى ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يَرْقأ حتى مات رضي الله عنه، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام حَيْثُ قُبِضَ سَعْدٌ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِراً بِعِمَامَةٍ مِنِ اسْتَبْرَقٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ مَنْ هَذَا الحَبِيبُ الذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ السَّمَاءِ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَرِيعاً يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلى سَعْدِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، وقَالَ حَمَلَةُ نَعْشِ سَعْدٍ: إِنْ كَانَ لَبَادِناً وَمَا حُمِلَتْ جَنَازَةٌ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرُكُمْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ اسْتَبْشَرَتِ المَلاَئِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ.
ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل لموت سعد سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها.
ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان جميع الخيل التي مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة وثلاثين فرساً، فقسم لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام /: هَلْ أَخْزَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، وَمَا لمتُ نَفْسِي فِي جِهَادِكَ وَالشِّدَّةِ عَلَيْكَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ"
.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلاً منكم رهناً عندنا، فلما بلغ ذلك قريشاً عظم عليهم الأمر ووجهوا إلى بني النضير أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إلينا الرهن، ونقاتل، فتحقق الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما حلَّ بهم من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ذلك كله من سبب تفرقهم عن النبي لطفاً من الله بالمؤمنين.
وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله المؤمنين نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم.
وقوله: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} هو ما كان المنافقون يخوضون فيه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضاً بالانصراف عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الله تعالى المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم يبدلوا ديناً ولا نية على ما كانوا عليه.
وروي أن قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ}، نزلت في قوم من المؤمنين تخلَّفوا عن بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم بدر ليرين مكانهم، فلما كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو قوله جل ذكره: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}، وبقي بعضهم سالماً، وهو قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ}، ثم أخبر عنهم أنهم ما بدلوا، يعني: عهدهم بم ينقضوه.
ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأنه كفى الله المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي: عاونوا قريشاً ومشركي العرب على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه. {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، وأنه قذف في قلوبهم الرعب.
{فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} أي تقتلون المقاتلة، وتسبون النساء والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأنزل الله في ذلك تسعاً وعشرين آية أولها: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
ومعنى: {زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ}: شخصت من الخوف.
والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها الوجه وفيها الناظر، وهما عرقان على حرفي الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء كثيرة قد ذكرت في خلق الإنسان.
وقوله: {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} أي نَبَتْ عن أماكنها من الرعب.
قال قتادة: لولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت.
والمعنى كادت تبلغ الحناجر.
وقيل: المعنى بلغ وجفهَا من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق بالوجيف.
ثم قال تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} أي: ظننتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلب.
هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنوناً كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين.