التفاسير

< >
عرض

إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ
٢٤
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ
٢٥
ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
٢٦
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
٢٧
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
٢٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
٢٩
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
٣٠
وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
٣١
ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
٣٢
-فاطر

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} إلى قوله: {ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ}.
أي: أرسلناك يا محمد بالدين الحق بشيراً بالجنة لمن أطاعك فآمن، ونذيراً تنذر بالنار من عصاك فكفر بك.
ثم قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} أي: وما من أمة كانت قبلك يا محمد إلاّ وقد جاءها نذير ينذرها عذاب الله على الكفر.
قال قتادة كل أمة كان لها رسول.
ثم قال تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: إن يكذبك يا محمد مشركوا قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم، جاءتهم الرسل بالبينات، أي بحجج الله الواضحة {وَبِٱلزُّبُرِ} أي: بالكتاب من عند الله.
{وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي: منير لمن تبينه وتدبره.
ثم قال: {ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} اي: أهلكتهم بكفرهم.
{فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي انظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وإنكاري لكفرهم، وحلول عقوبتي بهم.
ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} أي: منها الأحمر والأسود والأصفر.
ثم قال: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ} أي: طرائق، وهي الجدد جمع جُدّة، وهي الطريقة في الجبل.
قال الأخفش: ليس جُدَد يجمع على جديد لأنه يلزم أن تقول فيه جُددٌ بالضم، قال: والجُدَدُ جمع جُدَّة.
والجُدَدُ الخطوط تكون في الجبال بيض وسود وحمر. فلذلك قال: {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} أي: ألوان الجدد.
ثم قال /: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} أي: وسود غرابيب، فهو مؤخر يراد به التقدم.
والعرب تقول: هو أسود غربيب إذا وصفوه بشدة السواد.
ثم قال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أي: خلق مختلف ألوانه.
{كَذَلِكَ} أي: مثل الجدد، أي كما اختلفت ألوان الطرائق في الجبال، كذلك تختلف ألوان الناس والأنعام وغيرهم، قدرة من الله تعالى ينبه خلقه عليها.
ومن أجل حذف الموصول قال: "ألوانه"، أي: خلق مختلف ألوانه، ولم يقل ألوانهم ولا ألوانها.
ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} أي: إنما يخاف الله ويتقي عقابه العلماء بقدرته على ما يشاء وأنه يفعل ما يريد، لأنّ من علم ذلك أيقن بالمعاقبة على المعصية فخاف الله واتقاها.
قال ابن عباس: هم الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
وقال قتادة: كفى بالرهبة علماً.
قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله.
وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً والاغترار به جهلاً.
قال ابن منصور بن زاذان: نُبِّئتُ أن بعض من يُلقَى في النّار يتأذى الناس بريحه، فيقال: ويلك ما كنت تعمل؟ أما يكفي ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك وبنتن ريحك؟ فيقول: كنت عالماً فلم أنتفع بعلمي.
وقال عمران القصير: بلغني أن في جهنّم وادياً تستعيذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة مخافة أن يرسل عليها فيأكلها، أعد الله ذلك الوادي للمرائين من القراء.
ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي: عزيز في انتقامه.
{غَفُورٌ} للذنوب لمن تاب وأطاع.
{كَذَلِكَ} تمام حسن عند الجميع، و {أَلْوَانُهَا} تمام، و {ٱلْعُلَمَاءُ} تمام.
ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: يقرؤون القرآن ويدومون على أداء الصلاة لمواقيتها بحدودها. ومعنى أقاموا: يقيمون.
ثُمّ قال: {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعني: الزكاة المفروضة يعطونها خفية وجهاراً. وأنفقوا بمعنى ينفقون.
وقيل: المعنى أنهم يتصدقون بعد أداء الفرض الواجب عليهم.
ثم قال تعالى: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} أي: يطلبون بفعلهم تجارة لن تبور، أي: لن تكسد ولن تهلك.
ثم قال: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} أي: طلبوه ذلك ورجوه لكي يوفيهم أجورهم على فعلهم ذلك ويزيدهم من فضله، وهو ما زاد على الحسنة بحسنة، وذلك تسع حسنات إلى ست مائة وتسع وتسعين، هو تفضل من الله على عباده.
قال قتادة: كان مُطرِّف إذا مرَّ بهذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} قال: هذه آية القراء.
ثم قال: {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} أي: غفور لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم، شكور لحسناتهم، قاله قتادة.
ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي: من القرآن، يخاطب محمّداً صلى الله عليه وسلم. {هُوَ ٱلْحَقُّ}، أي: هو الحق عليك وعلى أمتك، أن تعملوا به وتتبعوا ما فيه دون غيره من الكتب التي نزلت قبله.
ثم قال: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: يصدق ما قبله من الكتب: التوراة والإنجيل وغيرها.
ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} أي: ذو خَبَرٍ بِهِمْ وعلم، بصيرٌ بما يصلحهم.
ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} أي: الذين اخترنا، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم. واختُلِفَ في هذه الثلاثة الأصناف المذكورين في هذه السورة وفي سورة "الواقعة".
فقيل: الأصناف في هذه السورة هم الأصناف في سورة "الواقعة"، فالسابق بالخيرات هو المقرب، والمقتصد هم أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه هم أصحاب المشئمة. وأكثر الناس على أن الثلاثة الأصناف في هذه السورة، هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، وأصحاب المشئمة المكذبين الضّالين لم يورثوا كتاباً، ولا اصطفاهم الله ولا اختارهم، وقد أخبرنا في هذه السورة أنه إنما أورث الكتاب من اختاره واصطفاه. فالظالم لنفسه ليس هو من أصحاب المشئمة، والثلاثة الأصناف في "الواقعة" يراد بها جميع الخلق من الأولين والآخرين، والثلاثة الأصناف في هذه السورة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله: / {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} ولقوله: {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، ولما نذكره من قول الصحابة والتابعين، وما روي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
من ذلك قول ابن عباس، قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} أي: الذين اخترنا من عبادنا، قال: معناه اخترنا منهم، فالظالم لنفسه هو الذي يموت على كبيرة لم يتب منها، والمقتصد هو الذي مات على صغائر - ولم يصب كبيرة - لم يتب منها، والسابق هو الذي مات تائباً من كبيرته وصغيرته، أو لم يصب ذلك فيحتاج إلى توبة. ولا يسلم من الصغائر واحد إلاّ يحيى بن زكريا، فأمّا الكبائر فالأنبياء معصومون منها، وسائر الخلق غير معصومين منها إلاّ من شاء الله أن يعصمه. ومعنى "اصطفينا": اخترنا منهم، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وروى ابو الدرداء: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"يَجِيءُ هَذَا السَّابِقُ بِالخَيْرَاتِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِلا حِسَابٍ، وَيَجِيءُ هَذَا المُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيراً، ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللهُ عَنْهُ، وَيَجِيءُ هَذَا الظَّالِمُ فَيُوقَفُ وَيُعَيَّرُ وَيُجْزَى وَيُغَرَّف ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُدْخِلُهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ فَهُمُ الّذِينَ قَالُوا (الحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) أي غفر الذنب الكبير وشكر العمل القليل" .
وروى أيضاً أبو الدرداء: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَمَّا السَّابِقُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالمُقْتَصِدُ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً، وَأَمَّا الظَّالِمُ فَيُحْبَسُ فِي طُولِ المَحْبَسِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللهُ عَنْهُ" .
وقال عمر رضي الله عنه: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له.
وقال ابن مسعود: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء؟ وهو أعلم، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلاّ أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب جلّ ثناؤه: أدخِلوا هؤلاء في سعة رحمتي. ثم تلا عبد الله هذه الآية.
وقال كعب لما قرأ هذه الآية أو قُرئت عليه: دخلوها وربّ الكعبة. وقال: الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة. ألم ترَ أن الله يقول: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، ثم قرأ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} إلى قوله: {كُلَّ كَفُورٍ}.
وقال محمد بن الحنفية: إنّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة: الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله جلّ ذكره وثناؤه، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله جلّ ذكره.
وروي عن عمر وعثمان وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وعائشة رضي الله عنها أنهم قالوا: الثلاثة في الجنة ما لم يكن الظالم كافراً أو فاسقاً، أو منافقاً.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الكتاب الذي أورث هؤلاء: شهادة أن لا إله إلاّ الله وهو قول مجاهد.
وروي أن كعب الأحبار لما أسلم قالت يهود: ما حملك على رأيك الذي رأيت؟ ألم تكن سيدنا وابن سيدنا في أنفسنا؟، قال لهم: أتلوموني إن كنت من أمة وجدت مجتهدهم يدخل الجنة بغير حساب، ووجدت مقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، ووجدت ظالمهم يغفر له ذنبه.
وعن عائشة أنها قرأت هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا} فلما بلغت: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، قالت: دخلت - ورب الكعبة - هذه الأصناف الثلاثة الجنة، فلما دخلوها واستقروا بها قالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ}، أي: حزن ما عاينوه من أهوال الموقف. وقيل: قالوا ذلك حين أيقنوا بذهاب الموت وأمنوه، فذهاب الموت وفقده حسرة على أهل النار وفرحة لأهل الجنة.
وقيل: الحزن أنهم عملوا أعمالاً في الدنيا كانوا في حزن ألاّ تقبل منهم، فلما قبلت زال الحزن.
وقال ابن عباس: المصطفون / أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: فالظالم لنفسه: المنافق وهو في النار، والمقتصد والسابق في الجنة.
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: جعل الله أهل الآية على ثلاث منازل، كقوله:
{ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ } [الواقعة: 41]. { وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ } [الواقعة: 27]. { وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } [الواقعة: 10-11] قال عكرمة: اثنان في الجنة وواحد في النار.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: "فمنهم ظالم لنفسه": هذا المنافق، "ومنهم مقتصد": هذا صاحب اليمين، و "منهم سابق بالخيرات": هذا المقرب. وروى ابن وهب أن عثمان بن عفان قال: سابقنا أهل الجهاد منا. ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدون.
وقال قتادة: الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الآخرة. أما الدنيا فمؤمن ومنافق ومشرك، وأما عند الموت فمقرب وصاحب يمين وضال. وقرأ:
{ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } [الواقعة: 88] إلى: { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } [الواقعة: 94]، وأما في الآخرة فصاحب يمين وصاحب شمال وسابق. ثم قرأ: { فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } [الواقعة: 8-11].
فالضمير المرفوع في {يَدْخُلُونَهَا} على هذه الأقوال يعود على المقتصد والسابق. وعلى الأقوال الأولى يعود على الأصناف الثلاثة.
وقد قيل: إن المصطفين هنا: الأنبياء، والظالم لنفسه: المكتسب منهم الصغائر، وهذا قول شاذ، والأول أشهر.
قال المبرد: المقتصد: الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها.
وقيل: الظالم هنا صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيآته، فيكون ضمير يدخلونها يعود على السابقين بالخيرات لا غير.
وروي عن ابن عباس: أن الكتاب هنا كل كتاب أنزل.
ثم قال: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي: هو الذي وفق هذا، له من عمل الخيرات فضل كبير من الله عليه.
ويجوز أن يكون المعنى هذا الذي أورث الله هؤلاء من الكتاب فضل كبير من الله عليهم.