التفاسير

< >
عرض

أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
٥٨
إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٥٩
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٦٠
لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ
٦١
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ
٦٢
إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ
٦٣
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ
٦٤
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ
٦٥
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
٦٦
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
٦٧
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ
٦٨
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ
٦٩
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
٧٠
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ
٧١
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ
٧٢
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ
٧٣
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٧٤
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ
٧٥
وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
٧٦
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ
٧٧
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ
٧٨
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ
٧٩
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٠
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
٨١
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ
٨٢
-الصافات

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله (تعالى ذكره): {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا /} إلى قوله: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ}.
أي: قال المؤمن ليس نحن بميتين إلا موتتنا / (الأولى في الدنيا). {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} قال ذلك سروراً منه واغتباطاً منه بما أعطاه الله من كرامته.
ثم قال: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي: إن ما أعطانا الله من أنا لا نعذب ولا نموت لهو النجاء العظيم.
قال قتادة: هذا قول أهل الجنة.
{لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} أي: لمثل هذا الذي أُعْطِيَ هذا المؤمن من الكرامة في الآخرة فليعمل في الدنيا لأنفسهم العاملون.
قال قتادة: آخر كلام المؤمن: "لهو الفوز العظيم"، ثم قال الله جل ذكره: "لمثل هذا فليعمل العاملون".
ثم قال (تعالى ذكره): {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} أي: الذي تقدم من ذكر النعيم للمؤمنين خير أم ما أعد الله لأهل النار من الزقوم. والنزول: الرزق الذي له سعة، ومعناه في الأصل: أنه الطعام الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. ولما ذكر الله هذه الآية، قال المشركون: كيف ينبت الشجر في النار، والنار تحرق الشجر؟ فقال الله جل ذكره: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} يعني المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخبرهم الله بصفة هذه الشجرة، فقال (جل ذكره): {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}.
قال قتادة: غُذِّيت بالنار ومنها خُلِقت.
قال السدي: قال أبو جهل لما نزلت هذه الآية: إن شجرة الزقوم: أتعرفونها في كلام (العرب)؟ أنا آتيكم بها، فدعا جاريته فقال: إيتني بزبد وبتمر، فقال: دونكم تزقموا فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره تفسير هذا: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً} إلى آخر الآيات. فالظالمون هنا أبو جهل وأصحابه. وهي مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد وشدة، فقيل لها شجرة الزقوم أنهم يتزقمونها (أي) يبتلعونها من شدة جوعهم، فيبتلعونها على جهد وتقف على حلوقهم يختنقون بها لخشونتها ومرارتها وكراهتها ونتنها فيتعذبون بها على أن تصل إلى أجوافهم فيملؤون بطونهم من ذلك من شدة الجوع ثم لا ينفعهم ذلك ولا يجدون له نفعاً ولا لذة.
ثم قال (تعالى ذكره): {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} أي: طلعها في قبحه وسماجته كرؤوس الشياطين، وهذا تمثيل لأنهم لم يكونوا يرون الشياطين، ولكن من شأن العرب أنها إذا تبالغت في صفة القبح والسماجة قالت: كأنه رأس شيطان، فخوطبوا بما يعقلون وما يجري بينهم ويفهمون.
وقيل: بل مُثِّل لهم الطلع بما يعرفون، وذلك أن ضرباً من الحيات قباح الصور والمناظر يقال لها شيطان، فشبهت لهم الطلع (بذلك).
(وقيل): الشياطين نبت باليمن قبيح المنظر، يقال له: الأَسْتَنُ والشيطان شبه الطلع به، وطلعها ثمرها كأنه أول ما يخرج.
ثم قال (تعالى): {فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا} أي: فإن هؤلاء المشركين لآكلون من هذه الشجرة فمالئون منها البطون، ثم إن لهم على ما يأكلون منها لشوباً من حميم، أي: خلطاً من ماء قد انتهى حره.
وحميم فعيل مصروف عن مفعول، والشوب مصدر شاب طعامه إذا خلطه يشوبه شَوْباً وَشَابَةً وَشِيَاباً.
وقال ابن عباس: لشوباً لمزجاً.
وقال قتادة: لمزاجاً.
وقال السدي: حميم يشاب لهم بغساق بما يغسق أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم.
ثم قال (تعالى): {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ}.
قال قتادة: فهم (في) عناء وعذاب من نار جهنم، وتلا: "يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم - انٍ".
قال بعض المفسرين: هذا النص يدل على أنهم في وقت أكلهم للزقوم وشربهم للحميم ليسوا في النار المتوقدة، هم في عذاب آخر، ثم يردون إلى الجحيم، والجحيم النار المتوقدة.
قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم تلا: "أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمّئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً".
ثم قال (تعالى): {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ} أي: وجودهم على الضلال والكفر بالله وعبادة الأصنام.
{فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} أي: فهم مسرعون في اتباع ما كان عليه آباؤهم من الكفر.
قال مجاهد / وقتادة: {يُهْرَعُونَ} يسرعون.
وقال ابن زيد: يستعجلون.
قال (الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه) بالرعدة.
قال المبرد: المُهْرَعُ المُستحث. يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها.
وحكى الزجاج: هُرِع وأُهْرِع / إذا استُحث وأزعِج، كأنهم يزعجون من الإسراع إلى اتباع آبائهم.
ثم قال (تعالى): {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: ولقد ضل عن الإيمان والرشد قبل مشركي قريش أكثر الأمم الخالية.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ} أي: في الأمم الخالية رسلاً منذرين تنذرهم بأس الله وعقابه على الكفر والتكذيب، فكذبوهم، وحذف فكذبوهم لدلالة الكلام عليه.
ثم قال: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ} أي: فَتَأَمَّل يا محمد كيف كان عاقبة الأمم الذين قبلك إذ كَذَّبوا رسلهم كيف أهلكهم الله فصيرهم عبرة لمن اغتر وعظة لمن اتعظ.
ثم قال: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي: إلا من آمن بالرسل من الأمم فأخلص لله العمل والإيمان بما جاء به الرسل. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: إلا من آمن بالرسل، وأخلصه الله في سابق علمه الإيمان والتصديق فوفقه له.
ثم قال (تعالى): {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} أي: نادى فقال:
{ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26]، وبقوله: { دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً } [نوح: 5] وما بعده، فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه.
{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} أي: من الأذى والمكروه الذي كان فيه (من الكافرين) من قومه.
وقيل: من الطوفان والغرق قاله السدي.
ثم قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} أي: هم الذين بقوا في الأرض بعد هلاك قومه، وذلك أن الناس كلهم من ذرية نوح بعد الغرق.
قال ابن المسيب: فجميع الخلق من ذرية سام وحام ويافت.
[ورواه سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"هُمُ البَاقِينَ هم حَام وسَام ويَافت]. فالعرب كلهم والروم والفرس من ولد سام، وجميع أجناس السودان من السند والهند والزغاوة والنؤبة وغيرهم من البربر من ولد حام، والصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج من ولد يافت، والخير في ولد سام" .
ثم قال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ}.
قال قتادة: أبقى الله عليه الثناء (الحسن) في الآخرين، وهو قول السدي.
وقيل: في "الآخرين": أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها آخر الأمم فهي تثني على نوح وتصلي عليه وتترحم عليه.
ثم قال (تعالى): {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} أي: يقال: سلام على نوح، (أي): أبقينا عليه في الآخرين أن يقال ذلك، يعني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك رفع "سلام" لأنه محكي.
وقيل: التقدير: "في الآخرين" تم الكلام، ثم ابتدأ "سلام" على نوح ابتداء وخبر.
وفي حرف ابن مسعود: "سَلاماَ" بالنص، أعمل فيه تركنا فنصبه، ومعناه في الرفع أمنة من الله لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء.
قال أبو إسحاق معناه: وتركنا عليه أن يُصلى عليه إلى يوم القيامة. وقيل: (معناه): أبقينا (عليه) الثناء الحسن في الآخرين.
ثم قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: إنا كما فعلنا بنوح ومن آمن معه، كذلك نجزي من أحسن فآمن بالله وصدق الرسل.
ثم قال: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: إن نوحاً من الذين صدقوا وأخلصوا العبادة لله والتوحيد له.
ثم قال: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} أي: بعد أن أنجينا نوحاً ومن آمن معه أغرقنا الذين بقوا بعده ممن كفر به وكذبه.
قال قتادة: أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه.