التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ
٥٦
وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
٥٧
وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
٥٨
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
٥٩
وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٦٠
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
-الزخرف

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى: {فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} - إلى قوله -: {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر / أجمعين.
قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا.
وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا.
ثم قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ}. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا.
وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء.
وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة.
والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد.
وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد.
وقوله: {وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ}، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم.
ثم قال تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد.
"وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}، قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}" .
وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 98]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام.
قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون.
وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي.
والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون.
ثم قال تعالى: {وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ}، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا.
وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء: 101] الآية.
وقوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً}، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل.
وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه قال):
"مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ" .
قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم.
ثم قال: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ}، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله:
{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } [النساء: 133]، و { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ } [الأنعام: 133].
وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ}، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد.
فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم.
وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة.
ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ" .
وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً" .
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ" .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ)" .
قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ" .
وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا" .
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم.
قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله.
وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه.
وقيل: المعنى: وإن محمداً صلى الله عليه وسلم لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ".
ثم قال تعالى: {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا}، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس.
ثم قال: {وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.