التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ
١١
وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ
١٢
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٣
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤
وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ
١٦
-الأحقاف

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} إلى قوله: {ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ}.
من جعل الشاهد عبد الله بن سلام أو غيره من مؤمني بني إسرائيل، كان المعنى عنده: وقال الذين كفروا من بني إسرائيل للذين آمنوا بمحمد عليه السلام منهم: لو كان إيمان هؤلاء بمحمد صلى الله عليه وسلم خيراً ما سبقونا إلى ذلك.
ومن جعل الشاهد في هذه الآية موسى صلى الله عليه وسلم كان المعنى عنده: وقال مشركو قريش لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم: لو كان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وهذا التأويل قول قتادة.
قال: ذلك ناس من المشركين، قالوا: نحن أعز به ونحن ونحن، فلو كان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون عماراً وبلالاً وصهيباً وأصنافهم، فأنزل الله جل ذكره:
{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } [البقرة: 104].
قال الحسن: أسلم "أسلم"وغفار" فقالت قريش: لو كان خيراً ما سبقونا إليه.
وقال الزجاج: أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، فقال بنو عامر وغطفان وأشجع وأسد: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، إذ نحن أعز منهم وإنما هؤلاء رعاة البهم.
وفي قوله: {سَبَقُونَآ} خروج من خطاب إلى غيبة، ولو جرى على صدر الكلام في الخطاب لقال: ما سبقتمونا، ولكنه كلام فصيح حسن كثير في كلام العرب والقرآن، ويجوز أن يكون قال: {مَّا سَبَقُونَآ} على أن يكون قاله الكفار لبعض المؤمنين، فيكون على بابه لم يخرج من شيء إلى شيء، فقيل: إنه قول وقع في أنفسهم ولم يقولوه ظاهراً بأفواههم.
وقوله: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ}.
أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}.
أي: هذا القرآن أكاذيب من أخبار الأولين قديمة.
ثم قال: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً}.
أي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى أنزلناه عليه، "فالهاء" تعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله:
{ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ } [الأحقاف: 9] وهو التوراة إماماً لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم.
ثم قال: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ} يعني: القرآن مصدق للتوراة.
وقيل: مصدق لمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
وقوله: {لِّسَاناً عَرَبِيّاً} نصبه على الحال من المضمر في {مُّصَدِّقٌ}.
وقيل: هو حال من {كِتَابٌ} لأنه لما نعت قرب من المعرفة فحسنت الحال منه.
وقيل: هو منصوب "بمصدق"، وفيه بعد؛ لأنه يصير المعنى أن القرآن يصدق نفسه، فيصير التقدير: وهذا القرآن مصدق نفسه؛ لأن اللسان العربي هنا هو القرآن، وهذا المعنى ناقص إذا تأملته.
وقيل: "اللسان" هنا عني به محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا المعنى يحسن نصب "لسان"بمصدق"، كأنه قال: وهذا القرآن مصدق محمداً صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف. والتقدير: وهذا كتاب مصدق صاحب لسان عربي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول حسن وتأويل صحيح.
ثم قال: {لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: لينذر [أهل] الكتاب الذين ظلموا.
وقيل معناه: لينذر محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذين ظلموا، وهذا التأويل على قراءة من قرأ لينذر [بالياء، فأما على قراءة من قرأ بالتاء فلا يكون إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لتنذر يا] محمد الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله سبحانه.
{وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ}.
أي: وهو بشرى للذين أطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم.
ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}.
أي قالوا: لا إله إلا الله، ثم استقاموا على ذلك فأطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم حتى ماتوا فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا بعدهم في الدنيا.
ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا}.
أي: هؤلاء الذين تقدمت صفتهم هم أصحاب الجنة ماكثين فيها جزاء لهم من الله عز وجل بأعمالهم الصالحة.
ثم قال تعالى {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ [كُرْهاً]}.
أي: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسنى في صحبته إياهما أيام الدنيا، والبر بهما حياتهما وبعد مماتهما لما لقيانه في حمله وتربيته، ثم بيّن ما لقيا منه من التعب فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} أي: بمشقة، ووضعته بمشقة.
قال أبو محمد (مؤلفه رضي الله عنه): فبر الوالدين أعظم ما يتقرب به إلى الله جل ذكره، وعقوقهما من أعظم الكبائر المهلكات، وقد تقدم القول في ذلكما في "سبحان" وبيّنه الله عز وجل بقوله تعالى:
{ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } [الإسراء: 23].
فنهى الله عز وجل الولد أن يقول أف إذا شم منهما رائحة يكرهها، فالنهي لما فوق ذلك أعظم، وهذا باب مختصر في الحض على بر الوالدين.
روى ابن مسعود
"أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال: الإيمان بالله، والصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله" .
وروى مورق العجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل تعلمون نفقة أفضل من نفقة في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: نفقة الولد على الوالدين" .
وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة الوالدين، ودعوة المسافر [ودعوة] المظلوم" .
وفي رواية أخرى: "ودعوة الإمام العادل في موضع، ودعوة المظلوم" .
قال الحسن: دعاء الوالدين للولد نجاة، ودعاؤهما عليه استيصال.
قال: وعن المسيب
"أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد يوماً المنبر فلما وضع رجله على الدرجة الأولى قال: آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثالثة فقال: آمين، فلما فرغ من خطبته ذكروا له ذلك فقال: إن جبريل استقبلني حين وضعت رجلي على الدرجة الأولى، فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، فلما صعدت إلى الثانية قال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، فلما صعدت إلى الثالثة، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين" .
وروى مجاهد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله، ودعوة الوالدين" .
وعن الحسن "أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إني حججت، وإن والدتي قد آذنت لي في الحج، فقال [له]: لقعدة معها تقعدها على مائدتها أحب إلي من حجتك" .
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعده" .
وقال عمر رضي الله عنه "من أراد أن يصل أباه بعد موته فليصل إخوان أبيه بعده".
وعن النبي عليه السلام أنه قال:
"ودك ود أبيك لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك" .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، واليمين الغموس" .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: وكيف يسب الرجل والديه، قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه [فيسب أمه]" .
وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُدْمِنُ خَمْرٍ، وَمُكَذِّبٌ بِقَدَر" .
قال الحسن: انتهت القطيعة إلى أن يجافي الرجل أباه عند السلطان، يعني يخاصمه، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأم أعظم حق في البر والطاعة من الأب" .
وعن الحسن أنه قال: (ثلثا البر الطاعات للأم والثلث للأب).
وروى أبو هريرة:
"أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق مني بحسن الصحبة، قال: أمك، قال ثم من، قال: أمك ثلاثاً، قال: ثم من؟ قال: أباك" .
وقد قرن الله جل ذكره شكره بشكر الوالدين فقال: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } [لقمان: 14].
وقال كعب الأحبار: قال لقمان لابنه "يا بني من أرضى والديه فقد أرضى الرحمن ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن يا بني إنما الوالدان باب من أبواب الجنة، فإن رضيا مضيت إلى الجنان وإن سخطا حجبت".
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوك فيعتقه" .
وقوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ [بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً]}.
يقال إن الإنسان ها هنا إنسان بعينه، وليس كل إنسان حمله وفصاله ثلاثون شهراً، بل يزيدون وينقصون، وليس كل من بلغ أشده يقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ}.
وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. والذي عليه أكثر الناس أنها عامة على الأكثر من الناس في الحمل والفصال.
وقوله: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ}.
هذه صفة المؤمن وما يجب له أن يقول، فهو وإن لم يقل ذلك فذلك اعتقاده ومذهبه، وذلك ما يجب له أن يقول.
قال (قتادة والحسن ومجاهد): المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة، و "حُسْناً" في مصاحف الحرمين والشام والبصرة بغير ألف قبل الحاء، وعلى ذلك أجمع القراء في سورة "العنكبوت"، وهو في مصاحف الكوفيين بألف، وعلى ذلك أجمع القراء في قوله: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، فالقراءتان متكافئتان، إذ في كتاب الله لكل واحدة مثال، فجمع عليه.
وقرأ عيسى بن عمر "حَسَناً" بفتح الحاء والسين على معنى فعلاً حسناً، ولا يجوز حُسْنَى بغير تنوين؛ لأن هذا لم تتكلم به العرب بألف التأنيث إلا بالألف واللام في أوله نحو الحُسْنَى والفُضْلى، وإِحْسَانٌ مصدر أَحْسَن، وَحَسَنَ بمعناه، وَكَرْهاً مصدر في موضع الحال.
وزعم أبو حاتم أن القراءة بفتح الكاف لا تحسن؛ لأن الكره بالفتح: الغصب والقهر، وبالضم المكروه، فبالضم يتم المعنى عنده، وذكر أن بعض العلماء سمع رجلاً يقرأ بفتح الكاف فقال له لو حَمَلته كرها (لَرَمَتْ بِهِ) لأن الكره عنده الغضب والقهر.
وهما عند أكثر العلماء غيره لغتان مشهورتان بمعنى واحد، ومعناه المشقة. والفتح عند المبرد وسيبويه أولى به لأنه المصدر بعينه.
وقد حكى سيبويه والخليل أن كل فعل ثلاثي فمصدره فَعْلٌ، واستدلا على ذلك أنك إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحاً، تقول: قَامَ قَوْمَةً، وَذَهَبَ ذَهْبَةً، والذهاب عندها اسم للمصدر، لا مصدر، فكذلك الكره بالضم إنما هو اسم للمصدر، والكره بالفتح هو المصدر.
ثم قال تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً}.
أي: ومدة حمل أمه له وفصالها إياه من الرضاع ثلاثون شهراً. وهذا مما استدل به العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأنه قد قال تعالى في سورة البقرة:
{ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233] فأخبر بمدة الرضاعة الكاملة، فالذي يبقى من الثلاثين شهراً التي ذكر الله هنا هو ستة أشهر فهي للحمل.
وقرأ الجحدري "وَحَمْلُهُ وَفَصْلُهُ". ورويت عن الحسن.
والفصال والفصل مصدران. يقال فَصَلَهُ فِصَالاً وَفَصْلاً، والفَصْلُ على مذهب سيبويه هو المصدر، والفِصَال اسم للمصدر على ما تقدم.
وهذا النص مخصوص غير عام، إنما هو في أكثر الناس لأن منهم من يقيم في الحمل أكثر من ثلاثين شهراً، والفصل بعد ذلك، وقد قيل إنه إنسان بعينه.
ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} "أشُدَّهُ" عند سيبويه جمع شدة، وقد ذكر شرحه في "يُوسُف" بأبين من هذا.
قال ابن عباس: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.
وقال الشعبي: الأشد بلوغ الحُلُم، وذلك إذا كتبت لك الحسنات وعليك السيئات.
وقيل: الأشد ثماني عشرة سنة.
ثم قال: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ (وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً)}.
أي: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده، وعرف حق الله في بره والديه، أَعِني على شكر نعمتك التي أنعمت علي، وتعريفي توحيدك وهدايتك إياي للعمل بطاعتك وعلى والدي من قبلي.
وَأَصْلُ أَوْزِعَنِي: مِن وَزَعْتُ الرَجُل على كذا: إِذَا دَفَعْتُه إِلَيْهِ.
وكان أبو بكر بن عياش يقول هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يكفر له أب ولا أم بل أسلما. قال أوزعني: معناه ألهمني، روي "أنه لما بلغ أشده ثماني عشرة سنة صحب النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه السلام ابن عشرين سنة، وسافر معه إلى الشام في تجارة فنزلا منزلاً فيه سدرة، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب بجوار الموضع يقال له بحيرى فسأله أبو بكر رضي الله عنه عن الدين وتحدث معه، فقال له الراهب: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال له أبو بكر: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له الراهب: هذا والله نبي، والله ما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي عليه السلام وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة، آمن به وصدّقه وصحبه، ففيه نزلت الآيات.
ثم قال تعالى: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ}.
أي: وأوزعني أن أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني. {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ}.
أي: وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتم لي بأن تجعلهم على الهدى واتباع مرضاتك.
{إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} أي: تبت إليك من الذنوب التي سلفت مني.
{وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي: من الخاضعين لك بالطاعة، المسلمين لأمرك ونهيك ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ}.
أي: والذين هذه صفتهم يتقبل الله منهم أحسن أعمالهم فيجازيهم عليها ويصفح عن سيئاتهم... وقوله: {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ}.
أي: يفعل بهم ذلك فعله في أصحاب الجنة.
ثم قال: {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ}.
أي: وعدهم وعد الحق لا شك فيه أنه موف لهم بذلك.