التفاسير

< >
عرض

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
١٨١
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٢
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
١٨٣
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
١٨٤
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
١٨٥
مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٨٦
-الأعراف

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ}، إلى قوله: {يَعْمَهُونَ}.
والمعنى: ومن الذين خلقناهم {أُمَّةٌ}، أي: جماعة يقْضُون {بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، أي: يأخذون به، ويعطون به.
قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله، (عليه السلام)، قال:
"هذه أمتي" .
وقال قتادة: هي هذه الأمة.
وروى سعيد بن جبير [عن قتادة] أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، كان يقول إذا قرأ هذه الآية: هَذِهِ لَكُمْ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، يعني قوله:
{ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [الأعراف: 159].
ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ}.
أي: سَنُمْهِلُهُمْ بغرتهم، ونُزَيِّنُ لهم سوء أعمالهم، حتى يحسب أنه في كفره مُحْسِنٌ، فإذا بلغ الغاية التي كتبت له، أُخذ بأعماله السيئة من حيث لا يعلم.
وأصل "الاسْتِدْرَاجِ": اغترار المستدرج بلُطْفٍ حتى يورّطه مكروهاً وَهَلَكَةً.
ثم قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}.
أي: وأؤخرهم مدة من الدهر.
و "المَلاَوةُ": القطعة من الدهر، يقال بضم "الميم" وفتحها وكسرها، لغات فيها.
{إِنَّ كَيْدِي}، أي: إنَّ عذابي.
{مَتِينٌ}، أي: شَديدٌ.
وقيل: "الكَيْدُ" هنا: هو أخذهم من حيث لا يشعرون.
وأصل "الكَيْدُ": المكر.
وقرأ ابن عباس: "أَنَّ كَيْدِي"، بفتح الهمزة، جعل "أَنَّ": مفعولاً من أجله، أي: من أجل أنّ الكيد متين وقع الإملاء.
{وَأُمْلِي لَهُمْ}، وقف.
{لاَ يَعْلَمُونَ}، وقف.
إن جعلت {وَأُمْلِي} مُسْتَأْنفاً.
ثم قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ}.
أي: يتفكروا في أَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ، وأَنَّ الحَقَّ / ما دعاهم إليه.
ثم قال: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}.
قال قتادة: ذكر لنا [أن] النبي (صلى الله عليه وسلم)، كان على الصفا، فدعا قريشاً وجعل يُفَخِّذُهم فَخِذاً [فَخِذاً]: "يا بني فلان، يا بني فلان"، يحُذِّرُهُمْ بأس الله (عز وجل)، ووقائع الله، (تبارك وتعالى)، فقال قائلهم: "إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَمَجْنُونٌ! بَاتَ يُصَوِّتُ إلَى الصَّبَاحِ"، (فأنزل الله، عز وجل)،: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ}، أي: ينذركم عقاب الله، (عز وجل)، على كفركم.
{مُّبِينٌ}.
أي: قد أبانَ لكم إنذارهُ.
و: {مِّن جِنَّةٍ}.
أي: من جنون. ومثلهُ في سورة "سبأ".
{مِّن جِنَّةٍ}، وقف.
{تَتَفَكَّرُواْ}، وقف حسن، ومثله:
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ } [الروم: 8]، ومثله: { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } [سبأ: 46] في "سبأ". ثم يبتدئ بـ: {مَا}، وهي: للنَّفِيْ في الثلاثة المواضع.
ثم قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ}.
والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون، في ملك السموات والأرض وسلطانها، وفيما خلق الله، (عز وجل)، فيتدبروا، فيعلمون أنّ ذلك لا يحدثه إلا رب واحد، والله واحدٌ لا شبيه له، فيؤمنوا ويصدقوا، ويتفكروا في: {أَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}، فيحذروا أن يموتوا على كفرهم فيصيروا إلى عذاب الله، (سبحانه).
وقيل: إنهم كانوا يُسَوِّفون بالتوبة والإيمان، فقيل لهم: عسى أن يكون أجلكم قد قرب، فتموتوا على كفركم.
قال سفيان:
{ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ } [الأنعام: 75]: الشمس والقمر.
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}.
أي: فبأي تخويف بعد تخويف محمد، (صلى الله عليه وسلم)، الذي أتاهم به من عند الله (عز وجل)، في آي كتابه {يُؤْمِنُونَ}، وهو القرآن.
ثم قال تعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}.
أي: هؤلاء الذين كفروا ولم يتعظوا، إنما كان لإضلال الله، (عز وجل)، إياهم، ولو هداهم لاعتبروا وأبصروا رشدهم، فلا هادي لهم إذ أضلهم الله.
وقوله: {وَيَذَرُهُمْ}.
من قرأ بـ "الياء"، رده على اسم الله، (سبحانه).
ومن قرأ ب: "النُّونِ"، جعله على الإخبار من الله، (سبحانه)، عن نفسه.
ومن قرأ بـ: "الرفع" قَطَعَهُ مما قبله، أو عطفه على موضع ما بعد "الفَاءِ" وهو الرفع؛ لأن "الفَاءَ" ترفع ما بعدها من الأفعال.
ومن جَزَمَ، عطف على موضع "الفَاءِ"، لأنه لو وقع موضع "الفَاءِ" فِعْلٌ جُزِمَ على الجَزَاءِ، فالعطف على موضع "الفَاءِ" يُوْجِبُ الجَزْمَ.
ومعنى {وَيَذَرُهُمْ}، أي: ندعهم، {فِي طُغْيَانِهِمْ}، أي: في تماديهم على الكفر، {يَعْمَهُونَ}، يترددون ويَتَحيَّرونَ.