التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
-الأنفال

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
قرأ عيسى بن عمر: "إنِّي مُمِدُّكُم"، أي: قال: إني ممدكم.
ومن قرأ: {مُرْدِفِينَ}، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصباً على الحال من الضمير في: {مُمِدُّكُمْ}.
وقيل: هو في موضع خفض نعت لـ: "ألف".
ومن كسر الدال فمعناه: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يتبع بعضهم بعضاً. يقال: رَدِفْتُهُ وأَرْدَفْتُهُ: إذا تَبِعْته.
وأنكر أبو عبيد أن يكون / المعنى: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يحمله خَلْفَهُ، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل.
والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضاً في الإتيان لا في الركوب، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: وَرَاءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
فمعنى الكسر: أَنَّ الملائكة يُرْدِفُ بعضها بعضاً، أي: يتبع.
ومعنى الفتح: أن الله أَرْدَفَ بهم المؤمنين.
حكى سيبويه "مُرَدِّفينَ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها.
وأصله: "مُرْتدفِيِنَ"، ثم أدَغم "التاء" في "الدال" بعد أن ألقى حركتها على "الراء".
وحكى أيضاً: "مُرِدِفِّينَ" بكسر الراء، على أنه "مُرْتَدِفِينَ" أيضاً، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة "التاء".
ومعنى الآية:
{ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ } [الأنفال: 8]، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}، أي: حين ذلك، أي تستجيرون به من عدوكم، {فَٱسْتَجَابَ} ربكم{لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ}، أي: بأني {مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} يردف بعضهم بعضاً، أي: يتلو. وَرُوِيَ عن عاصم: "آلفٌ"، على وزن "أَفْعُلٍ".
قال ابن عباس: لمَّا اصطفَّ القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع النبي صلى الله عليه وسلم، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً.
قال السدي: فاستجاب الله، عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المشركين وَهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مدَّ يدَهُ، وجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز ما وعدتني"، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه صلى الله عليه وسلم، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كَذَلك مناشدتك ربك، فَإِنَّه سينجز لك ما وعدك!.
وقوله: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ}.
"الهاء" تعود على "الإمْدَادِ".
وقيل: على "الإِرْدَافِ".
وقيل: على "الأَلْفِ".
وقيل: على قبول الدعاء.
والمعنى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ}: إرداف الملائكة بعضها بعضاً. {إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ}، أي: ولكي تسكن إلى ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله عز وجل، فليس النصر إلا من عند الله، سبحانه {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ}، أي: لا يقهره شيء، {حَكِيمٌ} في تدبيره.
و "الهاء"، في: {بِهِ} تحتمل ما جاز في "الهاء" في: {جَعَلَهُ}.
ويجوز رجوعها على "البشرى"؛ لأنها تعني الاستبشار.