التفاسير

< >
عرض

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
١٨
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
١٩
وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ
٢٠
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
-يونس

تفسير الجيلاني

وكيف يفلحون ويفوزون بالفلاح {وَ} هم من شدة ضلالهم {يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المتوحد بذاته، المستقل بألوهيته {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}؟! لأنهم ليسوا من ذوي القدرة والإرادة، بل من جملة الجمادات المعطلة التي لا شعور لها أصلاً {وَيَقُولُونَ} من كمال غفلتهم وضلاتهم: {هَـٰؤُلاۤءِ} الأجسام والتماثيل العاطلة {شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} ينقذوهم من بأس الله وبطشه إن تحقق وقوعه {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تسفيهاً وتحميقاً: {أَتُنَبِّئُونَ} تخبرون بقولكم هذا {ٱللَّهَ} العالم بالسرائر والخفايا {بِمَا لاَ يَعْلَمُ} من الأمور الكائنة لا {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} من الكوائن فيها، مع أنه سبحانه لا يعزب عن حيطة علمه شيء في الأرض ولا في السماء {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] من الأوثان والتماثيل التي لا شعور لها أصلاً، مع أنها من أدون المظاهر، وأخس المخلوقات، وبالجملة: ما قدروا الله أولئك الحمقى حق قدره، لذلك نسبوا إليه ما هو منزه عنه، تعالى عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
{وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ} المجبولون على مظهرية الحق، المنعكسون من أظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا {إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} ملتجئة إلى الله، مقتبسة من أنوار تجلياته {فَٱخْتَلَفُواْ} أي: الأظلال الهالكة باختلاف صور الأسماء المتقابلة، والأوصاف المتضادة المتخالفة حسب الشئون والتجليات المتجددة في الكمالات المترتبة عليها {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل؛ لتسويتهم وتعديلهم في النشاة الأخرى {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بالعدالة والقسط {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] في هذه النشأة بلا تأخير إلى أخرى، لكن الحكمة المتقنة الإلهية تقتضي تأخيرها، ولذلك أخرت أمرهم وحسابهم وعذابهم؛ لئلا يبطل سر التكاليف والأوامر والنواهي.
{وَيَقُولُونَ} بعدما اقترحوا عنه بالآيات ولم تنزل: {لَوْلاَ} أي: هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} من الآيات المقترحة، مع أنه دعواه أن الله قادر على جميع المقدورات والمرادات، لا يخرج عن حيطة قدرته شيء {فَقُلْ} في جوابهمه: بلى، إن الله قادر على جميع المقدورات، ومن جملة مقترحاتكم، إلا أن في عدم إنزالها وإنجائها حكمة غيبية ومصلحة خفية، لا يعلمها إلا هو {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ} كله {للَّهِ} وفي حيطة حضرة علمه {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} بتعليق إرادته بمقترحاتكم {إِنِّي مَعَكُمْ} أيضاً بلا تفاوت بيني وبينكم في عدم الاطلاع على غيبه {مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} [يونس: 20].
ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمسرفين: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} خلاصاً ونجاةً {مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} واضطرتهم إلى الرجوع والتوجه نحونا {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ} أي: ما جاءوا بعد نزول الرحمة إلى المكر والخديعة مع نبينا، والطعن {فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ} لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {ٱللَّهُ} المطلع لضمائركم ومخايلكم {أَسْرَعُ مَكْراً} وأشد تدبيراً وانتقاماً على مكركم وخداعكم، أعد لكم عذاب مكركم، وأشهد عليكم الملائكة، كما قال: {إِنَّ رُسُلَنَا} الموكلون عليكم، المراقبون لأحوالكم {يَكْتُبُونَ} في صحائف أعمالكم {مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21] وتحيلون مع الله ورسوله.