التفاسير

< >
عرض

الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ
١
إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٢
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ
٣
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
٤
قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٥
وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٦
-يوسف

تفسير الجيلاني

{الۤر} أيها الإنسان الكامل اللائق، الرشيد لرفع لواء سرائر الربوبية ورموز التوحيد، وتمييز أجل لباب الرؤيا والروايات الواردة لتبيينه عن قشورها {تِلْكَ} العبر والأمثال والقصص والآثار المذكورة لك فيمايتلى عليك يا أكمل الرسل لتأييدك وارتفاع شأنك {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [يوسف: 1] الذي هو حضرة علمنا المشتمل على جميع مراداتنا ومقدوراتنا.
{إِنَّآ} من مقام جودنا ولطفنا {أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً} منظماً على صور الألفاظ والعبارات، مترجماً عما عليه الأمر في حضرة علمنا الحضوري {عَرَبِيّاً} أسلوبه عاناية منا إليكم {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] معناها وتطلعون على مرموزاتها وإشاراتها وتطرحون عقولكم الموهوبة لكم لكشف سرائرها وخفياتها.
{نَحْنُ} من كمال لطفنا معك {نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل، تأييداً لأمرك وتعظيماً لشأنك {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} استماعاً وأكملها انتفاعاً وأشملها عبرة وأتمها فائدة وأعمها عائدة؛ إذ الفطن اللبيب استفاد منها من العبر والتذكيرات والرموز والإشارات ما يكفي مؤونة سلوكه في أمر دينه لو كا من ذوي الرشد وأهل الخبرة والبصيرة، وإنما علمناه لك ونبهناه عليك ملتبساً {بِمَآ أَوْحَيْنَآ} أي: بأيحائنا وإنزالنا {إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} المخبر عن المغيبات المكنونة في حضرة علمنا {وَإِن كُنتَ} في نفسك {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل وحينا وألهامنا إياك {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3].
اذكر يا أكم الرسل {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ} حين بلغ الحلم وترقى من الطفولية: {يٰأَبتِ} ناداه تحنناً إليه {إِنِّي رَأَيْتُ} في المنام {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} من الكواكب العظام {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أيضاً معهن {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] واضعين جباههم على تراب المذلة عندي تعظيمً وترحيباً - جمعها جمع العقلاء باعتبار ما يؤول إليه ويؤول به - ثم لما تفرس أبوه من الرؤيا ما تفرس، بادر إلى نهيه عن الإفشاء والانتشار لإخوته حيث {قَالَ} له قبل أن يشتغل بتأويلها وتعبيرها: {يٰبُنَيَّ} صغره؛ تلطفاً له وإشفاقاً عليه وتخوفاً من كبد إخوته {لاَ تَقْصُصْ} ولا تذكر {رُؤْيَاكَ} التي رأيتها {عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} لئلا يحسجوا لك من ارتفاع شأنك {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} بإغواء الشيطان إياهم ويختالوا لمقتك وهلاكك، حسداً لك ولعلو شأنك {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ} المغوي المضل {لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يوسف: 5] ظاهر العداوة، محيل عظيم، يعاديهم في لباب الصدقة ويفسدهم في سورة الإصلاح.
ثم لما سارع يعقوب عليه السلام بالهي عن الانتشار والإفشاء تحذيراً وتخويفاً له من كيد إخوته، اشتغل بتأويل رؤيته، فقال: {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل إراءتك هذه الرؤيا وتخصيصك بها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: ينتخبك من بين الناس ويخصك بالرئاسة العظمى والمرتبة العليا، وهي النبوة والنيابة الإلهية {وَ} بعدما يجتبيك ويصطفيك {يُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي: يخصصك بعلم الرؤيا وتعبيرها إلى حيث انكشف لك حضرة الخيال انكشافاً تاماً {وَ} بالجملة: {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ} بواسطتك {عَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ} أي: بنيه وأحفاده ومن ينتمي إليه وإن سفل {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ} أي: جديك {مِن قَبْلُ} في سالف الزمان؛ يعني {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أعطاهما من الإنعام والأفضال ما لم يعط أحداً من الخلة والإنجاء والإنقاذ والفدية والخلاص، وغير ذلك من النعم الجسام {إِنَّ رَبَّكَ} الذي رباك بأنواع اللطف والكرم {عَلِيمٌ} بعلمه الحضوري لاستعدادات عباده على مقتضى ما ثبت في لوح قضائه إجمالاً {حَكِيمٌ} [يوسف: 6] في صورة تفضيه على وفق إجماله، لا يشذ عن حيطة علمه شيء.