التفاسير

< >
عرض

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٨
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
١٩
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ
٢٠
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
٢١
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
-الرعد

تفسير الجيلاني

{لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} فطلبوا منه {ٱلْحُسْنَىٰ} أي: المثوبة العظمى والمرتبة العليا معتقدين إفاضتها وإعطاءها إياهم {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} مثل ماس استجاب أهل الحق ولم يعتقدوا مثل ما اعتقد أولئك المحقون لم ينالوا نصيبهم وحظهم {لَوْ أَنَّ لَهُمْ} ملك {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} من الزخارف والأموال {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} بل أضعافه وأمثاله {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} لنيبل ما نالوا لكن لم ينالوا، بل {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن عز القبول {لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} يحاسبون على جميع ما صدر عنهم من النقير والقمطرير ويؤاخذون عليها {وَ} بالجملة: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} الخذلان والطرد والحرمان {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [الرعد: 18] مهد أولئك الضالين عن منهج الرشاد.
أينكر المشرك المتمرد عن متابعتك وقبول دينك؟ {أَفَمَن يَعْلَمُ} ويصدق {أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ} لتأييدك من الكتاب الجامع لما في الكتب السالفة من الأوامر والنواهي و الأمثال والرموز والإشارات هو{ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع بلا شك وارتياب فيه {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عن إبصار ما يرى في الآفاق من المبصرات، بل أشد عمى منه؛ لأنه فاقد البصيرة؛ إذ لا يمكن إدراك الأمور الدينية والمعارف اليقينية إلا بها {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} ويتفطن بسرائر كتاب الله {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الرعد: 19] المستكشفون عن لب الأمور، المعرضون عن قشوره.
ولا يحصل ذلك إلا بالبصيرة وهم {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} الذي عهدوا معه حين رش رشحات نور الوجود علىأراضي استعداداتهم {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] الوثيق، بل يحفظونه ويواظبون على حفظه دائماً.
{وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} ويتصفون بعموم {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ} من المأمورات والمرضيات والمعارف والحقائق والخصائل الجميلة والأخلاق الحميدة {أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ} عن ارتكاب المنهيات والمحظورات والذمائم من الأطوار والأخلاق {رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ} من الله وعن مخالفة أمره ومقتضى نهيه {سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21] ورداءة المنقلب والمآب.
{وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} إذا أصابتهم مصيبة وأحاطتهم بلية {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} وطلب مرضاته، مسترجعين إليه سبحانه، متضرعين نحوه {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: أداموا الميل والتوجه إليه في جميع الأحوال والأزمان {وَأَنْفَقُواْ} للفقراء المستحقين {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} ووفقناهم وأقدرناهم لكسبها وجمعها {سِرّاً} أي: على وجه لا يشعر الفقير منفعة؛ لئلا يتأذى بالمن والأذى {وَعَلاَنِيَةً} على وجه يعشر به؛ لكي يبالغ المنفق في التذلل والانكسار بحيث لا يتوهم المنة أصلاً {وَ} أيضاً الذين {يَدْرَءُونَ} أي: يدفعون ويسقطون {بِٱلْحَسَنَةِ} أي: بالخصلة الحميدة والخلق المرضي {ٱلسَّيِّئَةَ} أي: الذميمة من الخصائل والأخلاق {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الأولياء، ذوو العهد والوفاء والخوف والرجاء، الصابرون على البلاء، الراضون بما جرى عليهم من سوء القضاء، المتوجهون إلى المولى في السراء والضراء، المنفقون لرضاه من عندهم للفقراء، حصل {لَهُمْ} حين كانوا في النشأة الأولى {عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 22] الأخرى، أي: ما يحصل فيها من اللذات والمثوبات ورفع الدرجات ونيل المرادات.