التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ
١٣
وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ
١٤
وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
١٥
مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ
١٦
يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
١٧
-إبراهيم

تفسير الجيلاني

{وَ} بالجملة: أدى أمر استكبارهم واستنكارهم وتكذيبهم إلى أن {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ} حين بالغوا في دعوتهم وإهدائهم {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ} أيها المزورون الملبسون {مِّنْ أَرْضِنَآ} إجلاء وإخراجاً على وجه الإهانة والإذلال {أَوْ لَتَعُودُنَّ} منصفين ملجئين {فِي مِلَّتِنَا} التي هي ملة آبائكم وأسلافكم {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} حين اشتد الأمر إليهم واضطروا من ظلمهم وطغيانهم، قائلاً لهم على سبيل الوعد والتبشير: لا تبالوا أيها الرسل المبلغون كلمة الحق إليهم من تهديداتهم وتشنيعاتهم، ولا تخافوا من شوكتهم وصولتهم نحن أقوى منهم {لَنُهْلِكَنَّ} بمقتضى قهرنا وجلالنا ونستأصلن {ٱلظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] الخارجين عن ربقة إطاعتكم وانقيادكم.
{وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ} ونقررنكم {ٱلأَرْضَ} التي هم يريدون إخراجكم منها مهانين صاغرين {مِن بَعْدِهِمْ} أي: أهلاكهم واستئصالهم {ذٰلِكَ} أي: إهلاك العدو وإيراث الأرض والديار {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي: للمؤمنين الموعدين الخائفين عن قيامي وحفظي واطلاعي لجميع أحوال عبادي، وبسبب خوفهم هذا لا يخرجون عن متقضى نهيي وأمري {وَ} مع ذلك الخوف {خَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] أي: عن وعيدي في يوم الجزاء بأنواع العذاب والنكال.
ومن غاية خوفهم ورعبهم عن الوعيدات الأخروية استعدوا لها، وهيأوا أسباب النجاة منها، جعلنا الله ممن هيأ أسباب أخراه في أولاه {وَ} كيف لا ينصرهم الحق ولا يهلك عدوهم؛ إذ هم {ٱسْتَفْتَحُواْ} واستنصروا من الله، وطلبوا الفتح والنصرة على أعدائهم، مفوضين أمورهم كلها، مسلمين نفوسهم وأرواجهم على قضائه؛ لذلك فتح سبحاه عليهم ونصرهم على عدوهم {وَخَابَ} خيبة أبدية وخسر خسراناً سرمدياً {كُلُّ جَبَّارٍ} متكبر متجبر عكلى ا لله وعلى عباده {عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15] مبالغ في العتو والعناد مع أنبيائه ورسله.
ومع ذلك لا يقتصر عليهم بالعذاب العاجل، بل {مِّن وَرَآئِهِ} أي: وراء العذاب الدنيوي {جَهَنَّمُ} العبد والخذلان والطرد والحرمان {وَيُسْقَىٰ} فيها حين اشتد زفرتهم {مِن مَّآءٍ} أي: مائع كالماء {صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] أي: قيح سائل من جراحات أجساد أهل النار.
{يَتَجَرَّعُهُ} بتكلف واضطراب {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: لا يقارب أن يجري على حلقه؛ للزوجته وحرارته والتصاقه {وَ} لعدم إساغته وجوازه {يَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: يأتيه ويتوجه نحوه أسباب الموت من كل عضو من أعضائه؛ لوصول أثر اشتداده ورداءته وبشاعته كل جزء من أجزاء بدنه حتى أصول شعره، فتقشعر من هوله كما يشاهد عند شرب الأدوية الرديئة الكريهة الرائحة واللذة مثل: السقمونياء والحنظل وغير ذلك {وَ} مع إتيان أسباب الموت من جميع الأعضاء {مَا هُوَ بِمَيِّتٍ} حتى يخلص من العذاب، بل {وَمِن وَرَآئِهِ} أي: عقيب سقيه على هذا الوجه {عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] من أنواع العذاب.