التفاسير

< >
عرض

الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ
١
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
٢
ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٣
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ
٤
مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٥
وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
٦
لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٧
مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ
٨
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
٩
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ
١٠
وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
١١
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١٢
-الحجر

تفسير الجيلاني

{الۤر} أيها الإنسان الأفضل الأكمل، الأليق لأن يفيض عليه سبحانه لطائف رموزات أسرار الربوبية، ولوائح رقائق سرائر الألوهية اللامعة اللائحة من مقر الرحمة العامة، والكرامة الكاملة الشاملة {تِلْكَ} الآيات المذكورة في هذه السورة {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي: بعض آيات الكتاب الجامع الناسخ للكتب السالفة {وَ} آيات {قُرْآنٍ} فرقان فارق بين الهداية والضلالة، والرشد والغي {مُّبِينٍ} [الحجر: 1] ظاهر البيان لأولي البصائر المتأملين في حكم إيجاد الموجودات، سيما الإنسان الكامل المميز الممتاز بأنواع الفضائل والكرامات، سيما العقل المفاض له من العقل الكلي ليتوجه به نحو موجدهن ويتدبر به أمر مبدئه ومعاده، ومن لم يصرفه إلى ما خُلق لأجله، وجبل لمصلحته فقد كفر وضل ضلالاً بعيداً بمراحل عن مرتبة الإنسانية؛ وذلك من غاية اتهمامكم في الغفلة، وعمههم وسركتهم بمزخرفات الدنيا الدنيَّة.
وحين فاقوا عن سكرتهم أحياناً {رُّبَمَا يَوَدُّ} أي: قلما يحب ويستحسن على وجه التمني {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ستروا الحق، ولم يصرفوا عقولهم إلى كشفه {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] مصرفين عقولهم إلى معرفة الله، ومفوضين أمورهم كلها إليه، ومتوكلين على الله في جميع حالاتهم، لكن من شدة طغيانهم، ونهاية غوايتهم وخسرانهم لم يقبلوا دعوتك، ولم يؤمنوا بك وبكتابه يا أكمل الرسل عناداً واستكباراً؛ حتى ينجومن خذلان الدنيا وخسران الآخرة.
{ذَرْهُمْ} يا أكمل الرسل وشُغلهم في دنياهم {يَأْكُلُواْ} من مأكولاتها المورثة لأنواع المرض في قلوبهم {وَيَتَمَتَّعُواْ} بمزخرفاتها الفانية ولذاتها الوهمية {وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ} ويشغلهم عن الاشتغال بالطاعات، ويحرمهم عن اللذات الأخروية مطلقاً {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3] قبح صنيعهم، وسوء فعالهم حين انكشف الأمر وتبلى السرائر، فحينئذٍ يتنبهون بما فوتوا لأنفسهم من اللذات الروحانية باعراضهم عن الله وكتابه ونبيه.
{وَ} من سنتنا القديمة: إنَّا {مَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر: 4] أي: ما أردنا إهلاك قرية من القرى الهالكة إلاَّ وكتبنا أولاً في لوحنا المحفوظ، وعلمنا القديم لإهلاكها أجلاً معلوماً ووقتاً معيناً.
بحيث {مَّا تَسْبِقُ} وما تتقدم {مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} الذي عين لإهلاكها {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 5] عنه، بل متى وصلوا إليه هلكوا حتماً، بحيث لا يسع له التقديم والتأخير أصلاً.
{وَ} كيف لا نهلكهم ونعذبهم بأشد العذاب ولا ننتقم عنهم؛ إذ هم {قَالُواْ} حين دعوتك إياهم وإلقائك إليهم شعائر الإيمان والإسلام منادين لك، مستهزئين معك متهكمين: {يٰأَيُّهَا} النبي {ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ} من عند ربه {ٱلذِّكْرُ} أي: الكتاب المبين له أمثال هذه الكلمات التي نسمع منك {إِنَّكَ} في دعوتك وادعائك النبوة والكتاب {لَمَجْنُونٌ} الحجر:6] مخبط مختل العقل، يخبطك الجن، ويعلمك أمثال هذه الكلمات والحكايات، تخليت أنهم ملائكة ينزلون إليك بها، وإن اطلعت على الملائكة وصاحبت معهم، مع أنك بشر مثلنا؟!.
{لَّوْ مَا} أي: هلاَّ {تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ} المنزلين إليك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الحجر: 7] في دعواك حتى نراهم ونسمع قولهم، مثل رؤيتك إياهم.
قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ} لكل واحد من البشر، بل لمن نؤتى الحكمة منه له في أصل فطرته واستعداده، وهم الأنبياء والرسل المأمورون بالإرشاد والتكميل، وماننزلهم {إِلاَّ} تأيدداً لهم ملتبساً {بِٱلحَقِّ} أي: بالدين الثابت المطابق للواقع؛ ليتدين بدينهم من يتبعهم، ويؤمن لهم إطاعةً وانقياداً، ولو اطلع الكل على نزولهم، ورأوا صورهم لبطل حكمة الإطاعة والإرسال والتكميل؛ إذ الكل في الرشد والهداية على السواء حنيئذٍ {وَ} أيضاً {مَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} [الحجر: 8] منتظرين إلى يوم الجزاء، إذ الكل ناجون مهديون في النشأة الأولى.
{إِنَّا نَحْنُ} بمقتضى حكمتنا {نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} أي: الكتب على الأنبياء والرسل على وجه يعجز البشر عن إتيان مثله؛ لكون ألفاضه ومعلوماته، ونظمه واتساقه خارجة عن مقتضيات مداركهم وقولهم؛ لذلك ينسبون أكثر الأنبياء والرسل إلى الجنون والخبط {وَ} مع ذلك {إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] عن تحريف أهل الزيغ والضلال المنحرفين عن جادة التوحيد.
{وَ} لا تحزن يا أكمل الرسل من استهزائهم معك وتكذيبهم، فإنهم من الديدنة القديمة بين أهل الضلال، فإنا {لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} رسلاً حين شاع أنواع الفسوف والعصيان {فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} [الحجر: 10] أي: فئتهم وفرقهمز
{وَ} هم من خمبث طينتهم، وشدة شكيمتهم وضغينتهم {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر: 11] بأنواع الاستهزاء من نسبة الكذب والجنون، وأنواع العيوب.
{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} وندخله {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الحجر: 12] الذين تعلقت إرادتنا ومشيئتنا بإهلاكهم وتعذيبهم على مقتضى أوصافنا القهرية والجلالية.