التفاسير

< >
عرض

وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً
٧٦
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً
٧٧
أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً
٧٨
وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً
٧٩
وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً
٨٠
وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً
٨١
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً
٨٢
وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً
٨٣
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً
٨٤
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً
٨٥
وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً
٨٦
-الإسراء

تفسير الجيلاني

{وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} أي: وإن قاربوا؛ ليحركونك ويضطرونك بالنقل والجلاء {مِنَ ٱلأَرْضِ} التي استقررتَ وتمكنتَ فيها؛ يعني: مكة {لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} معللين بأن الأنبياء والرسل إنما بعثوا في أرض الشام وأرض المقدسة، خصوصاً أجدادك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولادهم وأسباطهم. صلوات الله عليهم كلهم. بُعثوا فيها، فلك أن تخرج إليها حتى نؤمن لك ونصدق برسالتك، وما ذلك إلا حليةُ وخديعةُ معك؛ ليخرجوك من مكة حتى تبقى رئاستهم معهم {وَ} لا تغتم يا أكمل الرسل ولا تحزن بالخروج منها، فإنك لو خرجت منها {إِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ} زماناً {قَلِيلاً} [الإسراء: 76] وقد جرى الأم على مقتضى وعد الله سبحانه، فإنهم بعدما هاجر صلى الله عليه وسلم ببدرٍ بعد مدةٍ يسيرةٍ.
وليس إخراجك يا أكمل الرسل عن مكة، وهلاكهم بعد خروجك منها ببدع منا مستحدث، بل من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة إهلاكُ الأمم الذين أَخرجوا نبيهم المبعوث إليهم من بين أظهرهم عتواً وعناداً بل صار ذلك: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} المبعوثين إلى الأمم الما ضية؛ أ ي: من سنتنا الموضوعة فيهم بالنسبة إلى أقوامهم، فكذلك حالك مع هؤلاء المعاندين المكذبين {وَ} بعدما استمر منا هذه السُّنة السَّنية {لاَ تَجِدُ} أنت وغيرك أيضاً {لِسُنَّتِنَا} المنبعثة من كمال حكمتنا {تَحْوِيلاً} [الإسراء: 77] أي: تغييراً وتبديلاً؛ إذ لنا فيها حِكمُ ومصالحُ مخفيةُ استأثرنا بها لا اطلاع لك عليها، وإنما عليك التوجه والتقرب في جميع أوقاتك وحالاتك سيما في الأوقات المكتوبة.
{أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} وأدم التوجه {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} أي: حين زوالها من الاستواء {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} أي: ظلمته بغروبها إلى حيث لم يبقَ من بقية آثار ضوئها شيء أصلاً، فيسع في المحدود المذكور: الظهر والعصر والمغرب والعشاء على ما عينه الشرع لكل منها وقتاً معيناً {وَ} طوِّل {قُرْآنَ} صلاة {ٱلْفَجْرِ} وأطِلِ القيام فيها مع القراءة {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} الذي هو وقت الانكشاف والانجلاء الصوري، المنبئ عن الانكشاف المعنوي والانجلاء الحقيقي، الذي هو عبارةُ عن إشراق نور الوجود واضمحلال الأظلال والعكوس المشعرة بالكثرة والغيرية.
لذلك {كَانَ} قراءة القرآن المبين لسرائر الوحدة الذاتية، وكيفية سريانها على صفائح المكونات فيه {مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] لخواص عباد الله من الملائكة والثقلين، بل لجميع الحيوانات من الوحوش والطيور؛ إذ الكل في وقت الفجر متوجهون نحو الحق، مسبحون مهللون حالاً ومقالاً.
{وَ} إن شئت ازيداد القرب والثواب اسهر واستيقظ قطعةً {مِنَ ٱلْلَّيْلِ} واترك النوم فيها طلباً لمرضاة الله {فَتَهَجَّدْ بِهِ} أي: صلِّ فيها صلاة التهجد يتطويل القراءة؛ لتكون {نَافِلَةً} زائدة {لَّكَ} على فرائضك مزيدةً لقربك وكرامتك {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ} ويقيمك {رَبُّكَ} بسعيك واجتهادك في تهجدك {مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79] أي: مقاماً من مقامات القرب ودرجات الوصال مسمىً بالمقام المحمود؛ لأن كل من وصل إليه يُحمد له؛ إذ لا مقام أرفع منه وأعلى منه وأعلى رتبة ومكانة.
وبعدما وصلت أيها السالك الناسك إليها لم يبقَ لك درجة الاستكمال والاسترشاد، بل صرت كاملاً رشيداً وإن اُلهمت وأذنت من عنده سبحانه صرتَ مرشداً مكملاً لأهل النقصان، شفيعاً لهم عند الله بإذنه؛ لتنقذَهم من لوازم الإمكان المفضي إلى دركات النيران، وتوصلَهم إلى فضاء الجنان بتوفيق الله إياك وإياهم.
{وَ} بعد وصولك لسيعك وجهدك وأنواع تهجدك، وإقامتك في خلال الليالي بتوفيق الله، وتيسيره على ما وصلت من المقامات العلية والمراتب السنية {قُل} مناجياً إلى ربك ملتجئاً نحوه طالبَ التمكن والتقرر في المقام الذي وصلت إليه بتوفيقه وتأييده: {رَّبِّ} يا من رباني بأنواع اللطف والكرم {أَدْخِلْنِي} بفضلك وجودك {مُدْخَلَ صِدْقٍ} ومنزلَ قرارٍ، وهو مقر التوحيد المسقط لأنواع الإضافات والكثرات، وخلدني فيه لا تذبذبٍ وتلوينٍ {وَأَخْرِجْنِي} عن مقتضيات أنانيتي وهويتي إلى فضاء الفناء الموصل إلى شرف البقاء واللقاء {مُخْرَجَ صِدْقٍ} بلا تلعثمٍ ونزلزلٍ {وَٱجْعَل لِّي} حين معارضة أنانيتي معي واستيلاء أمَّارتي عليَّ {مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً} أي: برهاناً قاطعاً وكشفاً صريحاً وشهوداً تاماً؛ ليكون {نَّصِيراً} [الإسراء: 80] لمن ينصرني على أعدائي، ويخلصني من أيديهم حين هجومهم عليَّ.
{وَقُلْاً} بعدما تحققت وتمكنتَ في مقر الكشف والشهود: {جَآءَ ٱلْحَقُّ} الصريح الثابت، ولاح الشمس الذات {وَزَهَقَ} أي: تلاشي واضمحل {ٱلْبَاطِلُ} أي: العكوس والأظلال الهالكة الباقية على عدماتها الأصلية {إِنَّ} العدم {ٱلْبَاطِلَ} الزائل الزاهق الظاهر على صورة الحق {كَانَ زَهُوق} [الإسراء: 81] في نفسه، مضمحلاً في ذاته، باقياً علكى عدمه، وإن أُوهم وخُيِّل أنها موجوداتُ متأصلاتُ في الوجود، إلا أنها ما شُمَّ في رائحةٍ منه سوى أن أشعة التجليات الوجودية الإلهية لاحت عليها، فيتراءى ما يتراءى، فظن المحجوب بأنها موجود،
{ مَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [النور: 40].
ومتى تحققت وتمكنت بمقامك المحمود وفزتَ، فزتَ من الحوض المورود {وَنُنَزِّلُ} عليك تعظيماً لشأنك وتأييداً لأمرك {مِنَ ٱلْقُرْآنِ} المبيِّن الموضِّح لمراتبك العليّة من التوحيد {مَا هُوَ شِفَآءٌ} لمرض القلوب بسموم الإمكان في مضيق الحدثان، ومحبس الملوين من الموفقين بشرف متابعتك {وَرَحْمَةٌ} نازلةُ {لِّلْمُؤْمِنِينَ} بكل المصدقين بدينك وكتابك؛ ليسترشدوا ويستكشفوا بما فيه من الرموز والإشارات قدر قابلياتهم واستعداداتهم كي يتفطنوا أو يتنبهوا بما فيه من السرائر المودعة المتعلقة بسلوك مسالك التوحيد {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى حدوده وأحكامه استنكاراً له واستكباراً {إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 82] ووباراً لإخسار أعظم منه، وهو إبطالهم الحكمة التي جبلهم الحق لأجلها، ألا وهي المعرفة والتوحيد، وما ينتمي إلأيها من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية المقبولة عند الله.
ثم أخبر سبحانه عن تمايل الإنسان وتلوينه وعدم رسوخه، وتمكنه بحالٍ من الأحوال وعدم فطنته وذكائه بذاته، وكيفية افتقاره واختياره واحتياجه إلى الحق، وعدم تأمله في أمر مبدئه ومعاده، وكيفية ارتباطه بالحق في النشأة الأولى والأخرى فقال: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا} وأعطينا من كمال فضلنا وجودنا {عَلَى ٱلإنْسَانِ} المجبولين على الكفران والنسيان ووسَّعنا له طرق معاشه {أَعْرَضَ} عنا، وانصرف عن شكرنا وعن الالتجاء والارتجاء بنا عناداً واستكباراً {وَ} صار من إفراط عتوّه إلى حيث {نَأَى} وتباعد {بِجَانِبِهِ} أي: طوى كشحه ولوى عطفه عنا، كأنه مستغنٍ في ذاته، مستقلُ في أمره، بحيث لا يخطر بباله احتياجه إلينا، ولهذا تجبر واستعلى، وبالغ في الجدال والمراء إلى أن قال:
{ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات: 24].
{وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ } وأزعجه البلاء، وهجم عليه الشدة والعناء، وترادفت عليه الوقائع والمصيبات {كَانَ} من قلبة تصبره وضعف يقينه وتدبره {يَئُوساً} [الإسراء: 83] عن رَوح الله، شديد القنوط عن سعة لطفه ورحمته، والطرفان؛ أي: إفراط الاستغناء والاستكبار، وتفريط اليأس والقنوط، كلامهما مذمومان محظوران عقلاً وشرعاً.
{قُلْ} يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة منبئاً عن الاستقامة والعدالة مبنياً عليهما: {كُلٌّ} من المحق والمبطل، والضال والمهدي {يَعْمَلُ} ويعتدي {عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} وطريقته التي تشاكل وتشابه حاله ووقته إياها؛ إذ كل ميسر موقن من عندنا لما خلق له، سواءً كان من رشدٍ أو غي، أو ضلالةٍ أو هدايةٍ، ولا علم لكم يا بني آدم على حقيقة الأمر والحال {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ} وأقوم {سَبِيلاً} [الإسراء: 84] وأوضح منهجاً وأسدّ طريقاً، فيوفقه على جهته ووجهته.
ثم قال سبحانه تأييداً لحبيبه صلى الله عليه وسلم وتعليماً: {وَيَسْأَلُونَكَ} يا أكمل الرسل؛ فوق النصارى واليهود وجميع أهل الزيغ والضلال {عَنِ ٱلرُّوحِ} المتعلق بالأجساد المحيي لها ومحركها بالإدارة والاختيار، وإذا انفصل وافترق عنها مات، ولم يتحرك وانقطع الشعور والإدراك عنها؛ أي: يسألونك عن لِميَّه وكيفية تعلقه وارتباطه بالأجسام، وكيفية انفصاله عنها {قُلِ ٱلرُّوحُ} نفسه، وكيفية تعلقه بالأجسام وكيفية انفصاله عنها كلها صادرةٌ ناشئةُ {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي: مما حصل بأمره الدالّ على تكوين المكونات، وهو قول: "كن" الدال على سرعة نفوذ قضائه.
وأما كمية المقضي وكيفية حصوله وانفصالهن فأمرٌ استأثر الله به في غيبه، ولم يُطلع أحداً عليه لذلك قا ل: {وَمَآ أُوتِيتُم} يا بني آدم {مِّنَ ٱلْعِلْمِ} المتعلق بالورح {إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] وهو أنيته وتحققه دون لميته وحقيقته؛ لأن اطلاع الإنسان على الأشياء إنما هو بقدر قابليته واستعداده، وليس في وسعه وطاقته أن يعلم حقيقة الخردلة وكيفية حصولها وتكونها، فكيف حقيقة الروح، وكيفية تعلقها في البدن.
غاية ما في الباب أن المكاشفين من أرباب الأذواق ينكشفون في البدن، ويتفطنون منها أن ظهور الأشياء وحياتها ومنبع نشأتها ونمائها إنما هي تلك السراية، هذا نهاية ما يمكن التكلم والتفوه عنه، وأما الاطلاع على كنهها، فأمرٌ لا يسعه مقدرة البشر.
ثم قال سبحانه: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: والله إن شئنا وأردنا إذاهب القرآن المرشد لقاطبة الأنام، لحككناه من المصاحف ومحوناه من الصدور والخواطر {ثُمَّ} بعد إذهابنا ومحونا {لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء: 86] أي: لا تجد ظهيراً مُعيناً لك يطالبنا بمجيئه.