التفاسير

< >
عرض

يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٢٢
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
١٢٣
وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ
١٢٤
وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ
١٢٥
-البقرة

تفسير الجيلاني

ثم لما خاطب سبحانه بني إسرائيل أولاً بإيفاء العهد الذي هو شعار الإيمان، وما يتعلق بإيفاء العهد من الرجوع إليه، والإيمان بكتبه ورسله وعدم المبادرة إلى الفكر، وعدم استبدال آيات الله الدالة على ذاته علماً وعيناً وحقاً بالمزخرفات الفانية التي لا مداد لها أصلاً، وعدم لبس الحق الظاهر المكشوف المحقق بالباطل الموهوم المعدوم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة المنبئين من التوجه الفطري، والرجوع الحقيقي الأصلي، الركوع والخشوع على وجه التذلل والانكسار، إلى أن يصل إلى الفناء في ذاته بل إلى فناء الفناء لينعكس البقاء.
ثم عبر سبحانه تعبيراً فوق تعبيرٍ على الناسين نفوسهم في الغفلة بلا توجهٍ ورجوعٍ، ثم أمر خلص عباده باستعانة الصبر المورث للتمكين، والصلاة المشعر بالتوجه التام المسقط لجميع الآثام، هذا لتصفية ذواتهم.
ثم خاطبهم سبحانه ثانياً وأوصاهم بشكر نعم تفضيلهم وتكريمهم على بني نوعهم بأنواع الكرامات الدينية والدنيوية.
ثم حذرهم وخوفهم عن يوم الجزاء على وجه المبالغة والتأكيد؛ لتصفية أوصافهم في معاشهم في النشأة الأولى.
ثم لما ذكر سبحانه كفرانهم وطغيانهم وعدم انقيادهم بالكتب والرسل، وتكذيبهم وقتلهم وخبث طينتهم ودناءة طبعهم، وقساوة قلبهم وشدة عداوتهم مع المؤمنين، وقبح صنيعهم مع الأنبياء الماضين كرر خطابه سبحانه إليهم ثالثاً بما سبق ثانياً، مبالغةً وتأكيداً وتلطفاً وإمهالاً لهم؛ كي يتنبهوا، ومع ذلك لم يتنبهوا لخبث طينتهم، فقال: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} المعرضين عني بأنواع الإعراضات، والمعترضين لآيأتي بأصناف الاعتراضات مضى ما مضى {ٱذْكُرُواْ} واشكروا {نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بفضلي وإحساني مع عدم شكركم وكفرانكم {وَ} خصوصاً اذكروا من النعم نعمة الجاه والتفضيل على جميع البرايا؛ إذ {أَنِّي} بحولي وطولي {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 122] من بني نوعكم، وامتثلوا أمري ولا تجاوزوا عن حكمي، واحذروا عن قهري وانتقامي.
{وَٱتَّقُواْ يَوْماً} وصفه أنه {لاَّ تَجْزِي} لا تحمل {نَفْسٌ} مطيعة {عَن نَّفْسٍ} عاصيةٍ {شَيْئاً} قليلاً من اوزارها {وَ} مع ذلك {لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} فدية حتى تتخلص بها {وَ} أيضاً {لاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} من شفيعٍ حميمٍ حتى يخفف عذابها لأجلها {}وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 123] بغيرهم في تحمل العذاب، بل ما يحمل رزاياهم إلا مطاياهم، ومع هذه المبالغة والتأكيد قليلاً منهم يؤمنون بخلاف الملة الحنيفية البيضاء الجليلة، فإنهم بأجمعهم يرجى منهم الإيمان بوحدانية الله إن أقاموا الصلاة إليه مخلصين إلا المصلين الذين هم في صلاتهم ساهون بما يلهيهم محبة المال والجاه عصمنا من ذلك.
ثم لما ذكر سبحانه قصة بني إسرائيل وإنعامه عليهم بأنواع النعم، وكفرانهم لنعمه من خبث طينتهم، أراد أن يذكر طيب طينة الملة الجليلة وصفاء عقائدهم واصطبارهم، وتحملهم على الاختبارات والابتلاءات الإلهية، فقال: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ} اي: واذكر يا أكمل الرسل وقت ابتلاء أبيك {إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} الذي ابتلاه واختبر خليله بأنواع البلاء من النار والمنجنيق وذبح الولد وإجلاءٍ من الوطن وغير ذلك من البليات النازلة عليه {بِكَلِمَاتٍ} صادرة من ربه حين أراد اختباره {فَأَتَمَّهُنَّ} على الوجه الذي صدر قصورٍ ولا فتورٍ تتميماً لمرتبة الخلة والخلافة.
ثم لما اختبر سبحانه خلة خليله بأنواع البلاء أظهر خلته له بأنواع العطاء حيث {قَالَ} سبحانه: {إِنِّي} من غاية محبتي وخلتي معك أيها الخليل الجليل {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ} الناسين التوحه والرجوع إلي {إِمَاماً} مقتدى لهم، هداياً يهديهم إلى طريق التوحيد، لما رأى إبراهيم عليه السلام انبساط ربه معه وإفضاله عليه وإظهاره الخلة له {قَالَ}: {وَ} اجعل يا ربي {مِن ذُرِّيَّتِي} أيضاً أئتمةً إلى يوم القيامة {قَالَ} سبحانه تلطفاً له وامتناناً عليه: ومن ذريتك أيضاً الصالحين منهم لا الفاسقين؛ إذ {لاَ يَنَالُ عَهْدِي} الذي هو نيابتي وخلافتي {ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] المتجاوزين عن حدودي وعهودي.
{وَ} بعدما جعلناه إماماً هداياً إلى طريق الحق هيأنا له طريق الاهتداء {إِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} أي: الكعبة المعدة للتوجه إلينا بترك المألوفات وقطع التعلقات من الأهل والمال والوطن، والاجتناب عن التصرفات المانعة عن التوجه الحقيقي من الرفت والفسوق والجدال والقتل، وغير ذلك من الأمور المتعلقة للحياة المستعارة {مَثَابَةً} موضع ثواب {لِّلنَّاسِ} ليتقربوا إلينا ويتوجهوا نحونا {وَأَمْناً} من جميع المخافات الدينية إذا كانت الزيارة على نية الإخلاص {وَ} بعدما جعلنا البيت مثابة للناس قلنا للزائرين لها والطائفين حولها: {ٱتَّخِذُواْ} أيها الزوار {مِن مَّقَامِ} خليلنا {إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} موضع ميل وتوجه؛ اقتداءً له صلوات الرحمن عليه {وَ} بعدما أمرنا الزوار بما أمرنا {عَهِدْنَآ} وصينا {إِلَىٰ} خليلنا {إِبْرَاهِيمَ وَ} ذبيحنا {إِسْمَاعِيلَ} ابنه {أَن طَهِّرَا} بالمظاهرة {بَيْتِيَ} المعدة للطهارة الحقيقة عن جميع الشواغل {لِلطَّائِفِينَ} الذين قصدوا الميل إلى جنابنا ببذل المهج {وَٱلْعَاكِفِينَ} القائمين المقيمن ببابنا رجاء أن ينكشف لهم أسرار التكاليف التي كلفوا بها {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [البقرة: 125] أي: الراكعين الساجدين في فنائنا تذللاً وانكساراً حتى يتحققوا بمقام العبودية.