التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ
١٦٧
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
١٦٨
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
١٦٩
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
١٧٠
-البقرة

تفسير الجيلاني

{وَ} بعدما آيسوا من الانتقام {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} نادمين متحسرين متمنين: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} مكررة في النشأة الأولى {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} فيها تلافياً وتداركاً لما مضى من اتخاذنا إياهم آلهة {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} في هذه النشأة، ولا تنفعهم هذه الندامة ولا التمني، بل ما يزيدهم إلا غراماً فوق غرام {كَذَلِكَ} أي: مثل عذاب اتخاذهم {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ} أي: يحضرهم {أَعْمَالَهُمْ} الفاسدة السابقة كلها، ويعذبهم عليها فرداً فرداً، وما يقولون فيه وما لهم في تلك الحالة إلا {حَسَرَاتٍ} نازلةٍ {عَلَيْهِمْ} من تذكر سوء عملهم وقبح صنيعهم، وهذا من أسوأ العذاب وأشد العقاب، أعاذنا الله من ذلك {وَ} بالجملة: {مَا هُم} لا تابعون ولا متبوعون {بِخَارِجِينَ} أبداً {مِنَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 167] أي: نار البعد والإمكان المورث للحسرة والخذلان.
أجرنا من النار يا مجير.
ثم لما بين سبحانه طريق توحيده على خلص عباده المتوجهين نحو جنابه، تطهيراً لبواطنهم عن خبائث الأهواء العاطلة والآراء الفاسدة، أراد أن يرشدهم إلى تهذيب ظواهرهم أيضاً بالخصائل الحميدة الجميلة والأخلاق المرضية؛ ليكون ظاهرهم عنواناً لباطنهم، فقال تعالى منادياً لهم إشفاقاً وإرشاداً: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على التوحيد {كُلُواْ} وتناولوا {مِمَّا} من جميع ماخلق لكم {فِي ٱلأَرْضِ} لتقويم مزاجكم وتقويته {حَلاَلاً} إذ الأصل في الأشياء الحل ما الم يرد الشرع على حرمته {طَيِّباً} مما يحصل من كد يمينكم وعرق جبينكم؛ إذ لا رزق أطيب منه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي: لا تقتدوا ولا تقنفوا في تحصيل الرزق إثر وساوس شياطين الأهواء والآراء المضلة عن طريق الحق، والمفضية إلى سبيل الظلم والعدون، ولا تغتروا بتمويهات الشيطان وتزييناته {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168] ظاهر العداوة عند أولي البصائر بنور الله، المقتبسين من مشكاة توحيده.
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} ويغرركم {بِٱلسُّوۤءِ} الخصلة الذميمة {وَٱلْفَحْشَآءِ} الظاهر القباحة؛ ليخرجكم عن حدود الله الموضوعة فيكم لتهذيب ظاهركم {وَأَن تَقُولُواْ} بعدما خرجتم عن حدود الشرع {عَلَى ٱللَّهِ} المتوحد المتفرد المنزه في ذاته {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] لياقته في حقه في حصره في الأنداد والأشباه، وإثبات الولد له والمكان والجهة والجسم، تعالى عما يوقل الظالمون علواً كبيراً.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} أي: لمن يتبع خطوات الشيطان إمحاضاً للنصح وتحريكاً لحمية الفطرة الأصلية: {ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} على نبيه من البينات والهدى لتهتدوا إلى توحيد الله {قَالُواْ} في الجواب بإلقاء شياطينهم: لا نتبع ما ألقيتم علينا من المزخرفات {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا} وجدنا {عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} وهم أعقل منا، قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا توبيخاً وتقريعاً لهم: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} ضالون جاهلون {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} من أمر الدين {وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] أصلاً إلى مرتبة اليقين، بل كانوا كذلك، بل أسوأ حالاً من ذلك، فكيف تتبعهم؟.