التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٨
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
١٨٩
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
١٩٠
-البقرة

تفسير الجيلاني

{وَ} من جملة الأحكام الموضوعة فيكم لإصلاح حالكم أن {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} أي: لا يأكل كل منكم مال الآخر {بِٱلْبَاطِلِ} أي: بالسبب الباطل الغير المبيح له أكل مال الغير، من السرقة والغصب والربا والرشوة، والحيل المنسوبة إلى الشرع افتراء، وغير ذلك مما ابتدعه الفقهاء في الوقائع من الحيل والشبه، ونسبوها إلى السمحة الحنيفية البيضاء المحمدية، المنبئة عن الحكمة الإلهية، المنزهة عن أمثال تلك المزخرفات الباطلة {وَ} أيضاً من جملة الأحكام الموضوعة ألاَّ {تُدْلُواْ بِهَا} أي: لا يحاول بعضكم مال بعض {إِلَى ٱلْحُكَّامِ} المسلطين عليكم؛ أي: لا يفتري بعضكم بعضاً افتراءً يوقع بينكم العداوة والحكومة والبغضاء المفضية إلى المصادرة المستلزمة لأخذ المال من الجانبين، ومن أحد الجانبين {لِتَأْكُلُواْ} أي: الحكام {فَرِيقاً} بعضاً أو كلاً {مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} المظلومين {بِٱلإِثْمِ} الصادر عن المدلي والمغري {وَأَنْتُمْ} أيها المدلون {تَعْلَمُونَ} البقرة: 188] أنكم آثمون مفترون.
بك نعتصم عن أمثاله يا ذا القوة المتين.
ثم لما قدر سبحانه في سابق علمه الحضوري سؤال أولئك السائلين عن كمية ازدياد القمر وانتقاصه وبدوه رقيقاً واستكماله، ورجوعه على ما كان عليه، أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عما سألوه امتناناً عليه فقال: {يَسْأَلُونَكَ} أيها الداعي إلى الحق {عَنِ} كيمة تغير {ٱلأَهِلَّةِ قُلْ} واختلافها كمالاً ونقصاناً، قل لهم في جوابهم كلاماً ناشئاً عن لسان الحكمة مطابقاً لأسلوب الحكيم مقتضى حالكم وإدراككم: إن تسألوا عن الحكم والمصالح المودعة فيها لا عن كمية أمر القمر، فإنها خارجة عن طوق البشر، ونهاية مدارك العقلاء من أمر القمر ليس إلا أن نوره مستفاد من الشمس، وإنه مظلم في ذاته، وإن استفادته النور بحسب مقابلته بالشمس، وعدم ممانعة الأرض منها.
وإمَّا أن الشمس ما هي في ذته والقمر ما هو؟ والارتباط بينهما على أي وجه فسر؟ لا يحوم حوله عقول أحد من خلقه، بل مما استأثر الله به في علمه، فلا يسأل عنه أحد، بل {هِيَ} أي: الاختلافات الواقعة في القمر زيادة ونقصاناً، ترقياً وتنزيلاً لأجل أنه {مَوَاقِيتُ} معينة {لِلنَّاسِ} في أمور معاشهم من الآجال المقدرة؛ لقضاء الديون والعدة وتعليقات المتعلقة بها، وغير ذلك من التقديرات الجارية في المعاملات بين الناس في العادات والعبادات {وَ} خصوصاً في {ٱلْحَجِّ} والصوم والنذر المعينة، فإنها كلها تضبط باختلافات إلى غير ذلك من العبادات المؤقتة {وَ} كما أن سؤالكم هذا ليس من الأمور المبرورة المتعلقة لدينكم وتوحيدكم كذلك {لَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} لا من أبوابها.
الأنصار كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا من أبواب البيوت، بل يثقبون ظهورها ويدخلون منها يعدون هذه الفعلة من الأمور المبرورة ويعتقدونها كذلك، لذلك نبه سبحانة على خطئهم، وأرشدهم إلى البر الحقيقي بقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ} المقبول عند الله بر {مَنِ ٱتَّقَىٰ} عن محارم الله مطلقاً حين لبس الإحرام؛ إذ الإحرام للموت الإرادي المعبر عنه بلسان الشرع بالحج بمنزلة الكفن للموت الطبيعي، فكا أن لابس الكفن محفوظ عن جميع المحارم اضطراراً، كذلك لابس الإحرام لا بد أن يتقي نفسه عن جميع المحارم إرادة واختياراً {وَ} إذا لم يكن الدخول من ظهور البيوت وثيقة من البر {أْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} مغمضين عيونكم عن محارم الله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} مخلصين له خائفين منه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] رجاء أن تفوزوا بالفلاح من عند الله بسبب تقواكم.
{وَ} من جملة الحدود الموضوعة فيكم: القتال مع أعداء دينكم {قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع المشركين المعرضين عن طريق الحق، المائلين عنه تعنتاً واستكباراً وخصوصاً مع {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ويقصدون استئصالكم بادين للقتال مجترئين عليها {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} ولا تتجاوزوا أيها المؤمنون عما نهيتم عنه من قتل المعاهد، والفجر والاقتحام فجأة، والمقاتلة في الحرم وفي الشهور المحرمة، والابتداء بالمقاتلة وغير ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] المتجاوزين عن الحدود والعهود.