التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٨٢
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ
٨٣
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
٨٤
ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
-البقرة

تفسير الجيلاني

{وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} واعتقدوا بوحدانية الله، وأيقنوا بألاَّ وجود لغير الله {وَ} مع الإيمان والإيقان {عَمِلُواْ} بالجوارح {ٱلصَّالِحَاتِ} المترتبة على هذا الاعتقاد المستلزمة إياه {أُولَـٰئِكَ} المقربون الواصلون إلى ما يصلون {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} القرب والوصول {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82] متمكنون ما شاء الله، ولا مرمى وراء الله، ولا مقصد سوى: لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
{وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين أيضاً قصة {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي: العهد الوثيق من بني إسرائيل المفرطين في بعض العهود والمواثيق، بأن قلنا لهم: {لاَ تَعْبُدُونَ} أي: لا تتوجهون ولا تتقربون {إِلاَّ ٱللَّهَ} الذي أظهركم من العدم ورتبكم ورباكم بأنواع اللطف والكرم، لكي تعرفون {وَ} لا تفعلون ولا تعاملون {بِٱلْوَالِدَيْنِ} المربيين لكم باستخلاف الله إياهما إلا {إِحْسَاناً} محسنين معهما بخفض جناح الذل وبذل المال وخدمة البدن {وَ} مع ذلك كذا مع {ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} المنتمين إليهما بواسطتهما {وَ} لا يقهرون {الْيَتَامَىٰ} الأطفال الذي لا متعهد لهم من الوالدين، بل تحسنون لهم وتتعطفون معهم {وَ} كذا مع {ٱلْمَسَاكِينِ} الذين لا يمكنهم الكسب لعدم مساعدة إلا أنهم بالجملة { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ} أي: لجميع الأجانب المستغنين عن جميع الأمداد { حُسْناً} قولاً حسناً هيناً ليناً مبيناً عن المحبة والوداد.
{وَ} لما أمرناهم ونهيناهم بما يتعلق بمبدئهم ومعاشهم أمرناهم أيضاً بما يتعلق بمعادهم ورجوعهم إلينا، فقلنا لهم {أَقِيمُواْ} أديموا {ٱلصَّلاَةَ} التي هي معراجكم الحقيقي إلى ذروة التوحيد {وَ} العروج إليها لا يتحقق إلا بترك العلائق وطرح الشواغل لذلك {آتُواْ ٱلزَّكَاةَ} المطهرة المزيلة عن نفوسكم محبة الغير والسوى، بل محبة نفوسكم الشاغلة عن الوصول إلى شرف اللقاء {ثُمَّ} لما اشتغلتم بالأمر والنواهي نقضتم العهود بأن {تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عنها، ونبذتموها وراء ظهوركم {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ} وهم الذين ذكرهم الله في قوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } [البقرة: 62] { وَأَنْتُمْ} قوم {مُّعْرِضُونَ} [البقرة: 83] شأنكم الإعراض عن الحق مستمرمين عليه.
{وَ} كيف لا تكونون معرضين، اذكروا قبح صنيعكم وقت {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} بأن {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} أي: لا يسفك بعضكم دم بعض بلا موجب شرعي {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} أي: لا يخرج بعضكم بعضاً من دياره تعدياً وظلماً {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } طوعاً، واعترفتم رغبة بهذا العهد {وَأَنْتُمْ} بأجمعكم {تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84] تحضرون، وكلكم متفقون عليه.
{ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} الخبيثون الدنيئون، نقضتم العهد بعد توكيده بأن {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} بعضكم نفس بعض بغير حق {وَتُخْرِجُونَ} أي: يخرج بعضكم {فَرِيقاً} بعضاً {مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} المألوفة إجلاء وظلماً وأنتم بأجمعكم {تَظَاهَرُونَ} تعينون {عَلَيْهِمْ} على المخرجين الظالمين {بِٱلإِثْمِ} أي: الخصلة الفاحشة {وَالْعُدْوَانِ} أي: الظلم المتجاوز عن الحد {وَ} من جملة عهودكم أيضاً: {إِن يَأتُوكُمْ} أي: يأتي بعضكم بعضاً {أُسَارَىٰ} موثقين في يد العدو {تُفَادُوهُمْ} تعطوهم فديتهم وتنقذوهم من عدوهم تبرعاً، فلا ينقضون هذا العهد مع أنه غير محرم عليك ترك فدائهم وينقضون العهد الوثيق المتعلق بالقتل والإخراج {وَ} الحال أنه {هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} وقتلهم.
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} وتوفون بعض العهد الثابت في الكتاب، وهو عهد الفدية {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو عهد عدم القتل والإجلاء مع أنه لا تفاوت بين العهود المنزلة من عند الله {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} التفرقة بين عهود الله المنزلة في كتابه عتوّاً واستكباراً {إِلاَّ خِزْيٌ} ذل يستكره جميع الناس {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} القائمة للعدل والجزاء {يُرَدُّونَ} هؤلاء الناقضون لعهد الله {إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} وهو قعر بحر الإمكان الذي لا نجاة لأحد منه {وَمَا ٱللَّهُ} المستوي على عروش الذرات الكائنة في العالم رطبها ويابسها، شهادتها وغيبها {بِغَافِلٍ} مشغول بشيء يشغله {عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] أنتم بل شأنكم وحالكم وأعمالكم كلها عنده مكشوف معلوم له سبحانه بالعلم الحضوري، بحيث لا يشذ عن حيطة علمه شيء فيها أصلاً.