التفاسير

< >
عرض

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ
٨٨
أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً
٨٩
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي
٩٠
قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ
٩١
قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ
٩٢
أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
٩٣
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
٩٤
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ
٩٥
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
٩٦
قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً
٩٧
إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
٩٨
-طه

تفسير الجيلاني

وبعدما قذف الكل حليهم فيها، أدخل السامري يده فيها {فَأَخْرَجَ لَهُمْ} منها {عِجْلاً} أي: صورة عجل أوجده الله تعالى من تلك الحلي المقذوفة، ولم يكن من ذوي الحس والحركة بل {جَسَداً} وهيكلاً {لَّهُ خُوَارٌ} بصوّت صوتَ البقرة {فَقَالُواْ} السامري أصالة والباقي تعباً: {هَـٰذَآ} الجسد الذي خار خورة {إِلَـٰهُكُمْ} الذين أوجدكم من العدم {وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} المتردد في بيدان طلبه، أنزله في هذه الحفرة من قبل {فَنَسِيَ} [طه: 88] منزلة وسعى في طلبه سعياً بليغاً، فرقى الطور لهذا الطلب.
{أَ} هم خرجوا عن طور العقل في اعتقاد إلهية الجماد، بل عن الحس أيضاً {فَلاَ يَرَوْنَ} ولا يتفكرون في شأن هذا الجماد {أَلاَّ يَرْجِعُ} أي: أنه لا يرد {إِلَيْهِمْ قَوْلاً} جواباً عن سؤالهم {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً} لو لم يؤمنوا به {وَلاَ نَفْعاً} [طه: 89] لو آمنوا به.
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} أي: قبل رجوع موسى إليهم نيابة عنه إصلاحاً لحالهم، بعدما أفسدوا على أنفسهم ما أمرهم موسى من الأصلاح بحالهم: {يٰقَوْمِ} المائلين عن طريق الحق بسبب هذه الصورة {إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} أي: ما هذا إلا ابتلاءُ لهم من ربكم؛ ليختبر سبحانه رسوخكم وتمكنكم على التوحيد، أعرِضوا عن الشرك بالهل وتوجهوا إليه {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} لكم بإرسال أخي إليكم رسولاً وإنجائكم من عدوكم، وأنا نائب عن أخي استخلفني عليكم {فَٱتَّبِعُونِي} لتتبعوا الحق، ولا تميلوا إلى الباطل {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} [طه: 90] واقبلا قولي وإرشادي لكم حتى يصلح حالكم.
{قَالُواْ} لأنك وإن كنت نائباً عن أخيك، لكن لا تعرف الرب ولا تكلمتَ معه، بل يعرفه ويتكلم معه مومسى {لَن نَّبْرَحَ} ونزال {عَلَيْهِ} أي: على الجسد {عَاكِفِينَ} مقيمين حوله متوجهين له متضرعين عنده {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} [طه: 91].
ثم لما رجع موسى من مقياته ومناجاته مع ربه إلى قومه، ووجد9م ضالين منحرفين عن مسلك السداد، صار غضباناً عليهم أسفاً بضلالهم.
{قَالَ} من شدة غيظه لأخيه منادياً باسمه على سبيل الاستحقار مع أنه أكبر منه {يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ} أي: أي: شيء منعك عن القتال معهم وقت {إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ} [طه: 92] عن طريق الحق وتوحيده، بعبادة العجل.
وما لحقك {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} في مقاتلة المشركين بعدما أوصيتك به مراراً، وقد أقمتك فيهم لإصلاح حالهم {أَ} كفرت وضللت أنتَ أيضاً {فَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] فأخذ من كمال غيظه وغضبه بشرع أخيه ولحيته يجره.
{قَالَ} له حينئذ هارون قولاً يحرك مقتضى الأخوة، وينبه على قبول العذر: {يَبْنَؤُمَّ} نسبه إلى الأم استعطافاً: احذر عن الغضب وتوجه إليَّ واسمع عذري {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} ما لم تسمع عذري، لم أترك قتالهم {إِنِّي} وإن كنت لا أقدر على قتالهم لكثرتهم {خَشِيتُ} مع ذلك إن قاتلت معهم {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ} أي: جعلتهم فرقاً متخالفة متقابلة {وَلَمْ تَرْقُبْ} ولم تحفظ {قَوْلِي} [طه: 94] لك: اخلفني في قومي، وأصلح بينهم حتى أرجع.
فلما سمع موسى عذره، ندم على فعله، فرجع إلى معاتبة من يضلهم و{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ} أي: أي شيء هو أعظم مقصودك من هذه التفرقة والإضلال {يٰسَامِرِيُّ} [طه: 95] المضل.
{قَالَ} مقصودي الرئاسة عليهم بشيء يميزني عنهم من الخوارق؛ إذ {بَصُرْتُ بِمَا} أي: بشيء {لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أصلاً، وذلك أني رأيت جبريل راكباً على فرس الحياة، ما وضع قدمه على شيء إلا حيي {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} أي: من تراب وطئها حافر فرس الرسول الذي هو جبريل، وكنت أحفظها إلى أن أذابوا حليهم {فَنَبَذْتُهَا} فيه، فسرى الحياة منها إلى الصورة المتخذة من الحلي فخار، فأمرتهم باتخاذها إلهاً {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ} وزينت {لِي نَفْسِي} [طه: 96] حتى أكون متبوعاً لهم، ومقتدى بينهم.
{قَالَ} له موسى: {فَٱذْهَبْ} من عندي وتنح عن مرآي {فَإِنَّ لَكَ} أي: حقَّ وثبت لك {فِي ٱلْحَيَاةِ} أي: في حين حياتك {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} لك ولا إدراك، يعني: أنك في حال حياتك من مرة الأموات الفاقدين للحواس والإدراك وجميع المشاعر، لاعتقادك بحياة هذا الجماد، وأخذته إليهاً، وأضللتَ بسبب هذا جمعاً عظيماً من الناس {وَإِنَّ لَكَ} أي: ثبتَ وتهيأ لك في الآخرة {مَوْعِداً} من الجحيم {لَّن تُخْلَفَهُ} أي: لن تنتقل عنه أصلاً؛ إذ لا توبة لك منها حتى تتجاوز عنه، فتعين كذلك فيه أبد الآبدين {وَ} إذا عرفتَ حالك في دنياك وأخراك {ٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ} وعلى عبادته {عَاكِفاً} مقيماً عازماً {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} بالنار، وإن كان إلهاً، لم ترحقه النار، ثم بعد الإحراق وبعد صيرورته رماداً {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} وننشرنه {فِي ٱلْيَمِّ} أي: في البحر {نَسْفاً} [طه: 97] نشراً؛ بحيث لم يبقَ من أجزائه في البر شيء.
فأحرقها ونسفها وتوجه إلى بني إسرائيل، فقال: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ} المستجمع جميع أوصاف الكمال هو {ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود {إِلاَّ هُوَ} وما سواه عدمُ، ولو تعقل فلا يخرج عن حضرة علمه شيء؛ لأنه {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ} في الذهن والخارج {عِلْماً} [طه: 98].